مركاز

العيش

باستثناء المصريين، لا أحد يطلق على الخبز لفظ العيش غير أهل المدينة المنورة، بل إن هناك شارعاً اسمه سوق العياشة، تصطف على جانبيه، محلات كثيرة لبيع الخبز والحبوب والأجبان، ومن وسطه يعبر كل لحظة من يحملون على رؤوسهم ألواحاً من البوص، عليها الخبز الوارد من المخابز إلى الباعة، ولا يأت الخبز عادة في كل وقت، له وقت محدد ينتهي عادة عند الغروب ليعطي المجال للون آخر من المخبوزات، كان العيش للغذاء، وهو من البر الخالص، ويشمل عادة عيشاً أحمر أو عيشاً تنورياً، نسبة إلى التنور أو الفرن المكسو بالحجارة، التي يتم تسخينها بالحطب، قبل أن يعرف الكيروسين أو الغاز طريقه إلى الأفران، وكان هناك عيش مربي أو شامي، وهو أبيض، وفيه كمية كبيرة من العجين، لذلك لا يقبل عليه إلا القليل من سكان المدينة، خصوصاً المهاجرين، أما الغالبية العظمى فلا ترى بديلاً عن العيش الأحمر. ومن أبرز الأفران التي كانت سائدة في ذلك الوقت، أفران الكعكي، العزوني، صلاح الدين، وحيدة، كل هذه الأفران كانت تفتح أبوابها من الصباح أو الضحى، وحتى الغروب، حيث يعطى المجال للشريك والشابورة، وفي الصباح الباكر للتميس وهذا اللون من العيش مخصص للفول، وهو الوجبة الرئيسية لأهل المدينة مع المقادم والهريسة، هذه الوجبات كان موعدها من الفجر وحتى الظهر، بعد ذلك يكون كل بائع قد أقفل دكانه وذهب إلى داره!

من هم في سني شهدوا حميداً وهو يتمخطر على قدميه الحافيتين، عدة مرات في اليوم الواحد، من حارة التاجوري، حتى يسلم شقة أو شقاق العيش للباعة، أما قبل ذلك بسنوات قليلة، فلم تكن الأفران المذكورة وغيرها تخبز العيش وتبيعه للناس، كانت مهمتها محصورة في استقبال العيش، بكافة أنواعه وأحجامه مخبوزاً، لتكون مهمة الأفران، وضعه في الفرن حتى ينضج، ثم يسلمه لأصحابه، مقابل مبلغ متعارف عليه، عن الشقة الوحيدة، وفي بعض الأحيان، يكون ضمن هذه الشقة رغيف أو أكثر هدية لعامل الفرن. هذه العادة كانت مقصورة على الأسر المتحضرة، داخل السور وخارجه، أما الفلاحون، وكاتب هذه السطور، واحد منهم، وإن كان لم يعرف حياة الحقول، كان منزلنا الواسع، المكون من بدروم وثلاثة أدوار، مبني على الطراز المسلح، في الدور الأرضي منه، باحة مفتوحة، كأنها حوش فيلا، في هذا المكان كانت الوالدة رحمها الله، تضع الصاج والحطب، لتخبز لنا الفطير فجراً، هذا الفطير شبيه بما يطلق عليه القرصان في نجد، ولم تترك أمي الخبز على الصاج، إلا عندما شاع استخدام العيش الأحمر، وصار يجلب طازجاً، ظهيرة كل يوم من الفرن، وإن كان الحنين لأكل الفطير ما زال قائماً عند الفلاحين وأبناء البادية، كما هو موجود بأسماء أخرى في عديد من الدول العربية، بنفس الاسم وأسماء أخرى مثل القلاش!

إطلاق اسم العيش على الخبز، لم يأت من فراغ، فالخبز بكافة أنواعه هو عماد كل غذاء، وبدون الخبز لا حياة، وقد قرن بعض الناس الخبز بتكاليف الحياة كلها، وسوف تجد أمثالاً وحكماً تعزز ذلك، من مثل " أكل العيش مر! مقابلة العيش ولا مقابلة الجيش! "وفي دول الخليج، تطلق كلمة "العيش" على "الأرز"، وهو وجبة جديدة إذا قورنت بالعيش أو الخبز. كلمة عيش تعني الحياة، وقد قامت انتفاضات وثورات، بسبب العيش، وقصة ماري انتوانيت الفرنسية، ليست بعيدة عن الأذهان، وإن كان قد حدث بعدها العديد من الانتفاضات في العالم العربي، بسبب غلاء أو ندرة العيش، لذلك تحرص الدول، على وجود هذه السلعة، وبأرخص الأسعار!

أصبح العيش الآن أشكالاً وألواناً، لكن الاسم في نهاية الأمر لم يتغير، وإن تغيرت الأسعار، عيش الأغنياء بسعر، وعيش محدودي الدخل بسعر!






مواد ذات صله

Image

الأديب النبيل «عبدالعزيز الخريف»

Image

الاستفادة الأمثل

Image

من تجارب الكاتب

Image

حماية الذوق العام: النظام أولاً

Image

مطب إنساني

Image

التستر النظامي

Image

إيضاح لصندوق النقد

Image

نحتاج مُسرعاً إعلامياً







التعليقات

1

 سعدون الفروي

 2017-08-27 08:42:37

بسم الله الرحمن الرحيم.
النظرة الحديثة تقول أن خبز الصاج وخبز البر غير مفيد أو أقل فائدة من الخبز الأبيض والتوست,بينما النظرة التقليدية(على أيامنا)والأكثر حكمة تقول أن خبز الفرن البر هو أفضل أنواع الخبز وخاصة إذا كان بدون ملح,أما خبز التوست والخبز الأبيض فليس فيه أي فائدة(مجرد طاقة)بالإضافة إلى عدم وجود ألياف تساعد على الهضم فيه مثل خبز البر.تحياتي.