عشر سنوات والطبيب يحاول إقناعي أن أمارس الرياضة، لأخفض نسبة السكري والكوليسترول عندي، وألتزم بنظام حياة جديد غير الذي ربيت وأُجبِرتُ عليه.

أحاول إقناع نفسي ومسايرة اللبنانيات ممشوقات القوام في طريقتهن للحفاظ على صحتهن ورشاقة أجسادهن، لكن لا فائدة، فالتربية في الصغر كالنقش على الحجر...!

فكلما أنهيت عملي أعود إلى البيت وأختبئ كأن الأعداء يتربصون بي في الخارج، مع أني أعيش في مكان جميل في الجبل اللبناني محاطة من كل الجهات بغابات الصنوبر. حتى جهاز المشي الذي اقتنيته أصبح جزءاً من ديكور غرفة نومي، والذي نادراً ما أستعمله حين ينتابني الحماس فجأة ثم ينطفئ.

في آخر زيارة لي لطبيبي عبّر عن خيبته فيّ، وسألني لماذا أقتل نفسي ببطء؟ ولماذا لا أتحرّك؟ فقصصت عليه قصتي حين كنت طفلة أيّام عشقت الرياضة ولعبة كرة السلة، لكن المجتمع الذي وُجدت فيه لم يكن عقله يتقبّل أن يرى طفلة تركض في ملعب المدرسة، وقد كنت آنذاك في مدرسة للبنات، إذ اخترع حيلة غلبت قرارات الوزارة، وكل العقول المفكّرة في البلاد، وأدّت إلى إلغاء مادة الرياضة للبنات، فيما أبقتها للذكور.

بغرابة يحضر الأهل شهادات مرضية لبناتهم من عند أطباء مختصين على أنهن غير قادرات على ممارسة الرياضة فيتم إعفاؤهن، أمّا القلة القليلة من اللواتي بقين يمارسنها فقد حوربن بالشائعات حتى توقفن من تلقاء أنفسهن.

وكلما عاد موضوع الرياضة للبنات إلى النقاش أُطفِئَ سريعاً كما موضوعات أخرى تخص وضع النساء، إلى أن حرمت المرأة نهائياً حتى من حقها في ممارسة المشي في الشارع إن لم يكن لديها عمل ضروري تقوم به ويجبرها على الخروج. ولأننا مجتمع عاش في مستوى الفقر أو تحته فلم تكن لنا بدائل أخرى لممارسة هواياتنا سوى الجلوس أمام التلفاز ومتابعة الأفلام العربية للترفيه على أنفسنا حتى توغلت البلادة في رؤوسنا، وحين كبرنا وأصيبت مفاصلنا بأعطاب مختلفة، وارتخت عضلات أجسادنا، وقصُرت أنفاسنا، أصبح من المستحيل أن نستعيد نشاط الصبا، ومعه تلك الرغبة في الانطلاق ما دامت الجدران الوهمية التي بنيت أمامنا أصبح لها ملمس الحقيقة التي لا يمكن زحزحتها.

قلت لطبيبي وهو يستمع لقصتي أن شيئاً ما مات في داخلي ولا يمكن إعادته، وإنني رغم الحرية التي أتمتّع بها اليوم للقيام بما أريد، فإن تغيير نمط حياتي في هذا العمر المتأخر أصبح من المستحيلات.

فقال لي بحزن كبير، إن لم أنهض واهتم بنفسي فلا أحد سينهض بي، وتناول الأدوية كل يوم سيؤخر متاعبي الصحية لفترة ثم سيستلم جسدي، وذكّرني أن الدواء له تأثيرات جانبية مهما كان مفيداً لي، وأن أجسادنا بالرياضة يمكنها أن تستعيد عافيتها، فالأوفر على نفسي وجيبي أن أمارس الرياضة والسلام.

لم ينتصر الجهل علينا فقط، بل كسر الفئة المثقفة التي كان بإمكانها أن تحمل مشعل التنوير للأجيال الجديدة، وإلاّ لماذا لا ينظر أهل الأمر منا إلى نسائنا على أنهن لسن "نساء الآخرين" فقط، بل هن أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم وبناتهم، وإذا كانت نوايا استغلال المرأة تنحصر فقط خلال شبابها، ثم استبدالها حين تصاب بأعطاب العمر فإن على المرأة أن تعيد حساباتها تجاه هذا الرّجل الذي لا يعرف أن يحافظ عليها رغم حبها له واهتمامها به.