ما تمارسه الجامعات اليوم هو "ردة" إلى الوراء وسياسة القبول التي تركز على استقطاب الطلاب والطالبات من نفس المنطقة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانغلاق والتقوقع والتباعد بين أبناء الوطن

موضوع القبول في الجامعات متشعب ويحتوي على العديد من الإشكالات التي لا تساعد على تطوير التعليم العالي أبدا، ولكن الأسوأ أنه في السنوات الثلاث الأخيرة بدأت الجامعات في المناطق والمدن الكبرى لا تقبل طلابا أو طالبات إلا من نفس المنطقة مع بعض الاستثناءات التي قد تصل إلى 10 % من عدد الذين يتم قبولهم بشكل عام. هذه الظاهرة لم تكن موجودة عندما كان لدينا 8 جامعات فقط، فأصبحت الجامعات في تلك الفترة بمثابة melting pot مكان لتذويب الثقافات المختلفة بين أبناء الوطن وجمعت من يسكن عسير مع من يسكن عرعر والقصيم والأحساء ومكة والرياض. دور الجامعة كان مؤثرا في صنع جيل من السعوديين واجهوا الفكر المناطقي العنصري المتقوقع وأثبتوا أننا نعيش في وطن كبير. أنا شخصيا أفخر بزملائي الذين لم تنقطع علاقتي معهم حتى اليوم وهم من جميع مناطق المملكة، لولا وجود ثقافة تعليمية وطنية في الجامعة السعودية لما تحققت مثل هذه العلاقات. الحياة الجامعية فرصة مهمة كي يعرف أبناء الوطن مناطق أخرى ويعيشوا مع زملاء من مناطق مختلفة كي يشعروا فعلا بالانتماء لكل حدود الوطن وليس لمناطقهم التي أتوا منها فقط.

ما تمارسه الجامعات اليوم هو "ردة" إلى الوراء وسياسة القبول التي تركز على استقطاب الطلاب والطالبات من نفس المنطقة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانغلاق والتقوقع والتباعد بين أبناء الوطن، وهذا لا نجده متبعا في أغلب دول العالم، مع إمكانية أن تكون أعلى نسبة من المستقطبين من المنطقة التي تقع فيها الجامعة إذا كانوا بالطبع من الكفاءات لا كما يحدث عندنا الآن، وأنا هنا أذكر أن ابن أحد الزملاء أراد التسجيل في كلية الحقوق في إحدى جامعات العاصمة ولكونه من جدة لم يقبل رغم أن نسبته الموزنة تؤهله للدخول لكلية الطب. السبب أنه من جدة وعليه أن يتعلم في إحدى جامعات جدة. لم تكن هذه ثقافتنا، فنحن بحاجة إلى مزيد من التقارب بدلا من التفكيك المتعمد لأجزاء الوطن. يجب أن نسعى إلى تعليم يبني ثقافة وطنية عبر ممارسات حقيقية ويومية لا مجرد شعارات بينما هو تعليم أبعد ما يكون عن الفهم والحس الوطني.

توجه الجامعات السعودية للمناطقية له ما يبرره من وجهة نظرهم، فهذه الجامعات ليس لديها ما يميزها سوى موقعها الذي تفاضل به بين الطلاب. ربما أستثني جامعة الملك فهد التي اتبعت سياسة وطنية واضحة واستمرت عليها ولم تغيرها، لذلك مازالت هذه الجامعة تحمل بذور ثقافة المواطنة ولا تشعر أبدا أنها جامعة في الظهران، بل هي مكان يجمع كل أبناء الوطن. عادة الجامعات المتميزة تحرص على التخصص وعلى استقطاب الطلاب المميزين بل هم يسعون عبر ممثليهم لإقناع الطلاب والطالبات المتميزين للانضمام للجامعة عبر الزيارات المتكررة للثانويات العامة. في بريطانيا كل كلية في كل جامعة تحدد الدرجات المطلوبة في امتحان A Level وكل تخصص له طموحات كبيرة كي يكون من بين مخرجاته من سيحمل جائزة نوبل. في الجامعات السعودية هذه المعايير ليست مهمة. أهم ميزة هي من أنت ومن أي منطقة أتيت. افتقار الجامعة السعودية للتخصصية وللأهداف الكبيرة والواضحة هو الذي يجعل سياسة التعليم لدينا تتخبط.

تبقى مشكلة أخرى تكمن في الثقافة المجتمعية نفسها، أي أن الجامعات تتعرض كذلك إلى ضغوط مجتمعية هائلة قد تجبرها أحيانا على تغيير سياساتها، وأنا على يقين لو استجبنا لمثل هذه الضغوط التي تنادي تخصيص كل جامعة لأبناء وبنات المنطقة فقط سينتهي الأمر بهذه الجامعات إلى أن تصبح مجرد "ثانويات" كبيرة، وأخشى أنها تسير بسرعة في هذا الطريق. لذلك فإنه إذا أردنا بناء ثقافة جديدة وبناء حس وطني شامل يتطلب إعادة التفكير في سياسة التعليم بشكل عام وسياسة القبول في الجامعات بشكل خاص.