(قصة)

حياة لا تطاق.. عمل لا يطاق.. خذلان.. لا جدوى.. لا فائدة.. عمر مرتهن، وحياة مبذولة برخص.. ما الجدوى؟! عمر يتآكل، وزمن يفنى بثمن بخس.

هاآنذا أغوص في القاع.. كأني خُلقت من طين القاع.. ما جدوى الأماني؟ نصنع مستقبلا مطرَّزا بالأحلام فنصحو على واقع مؤلم مر. لا نستفيق من صدمته إلا حينما تتهشم رؤوسنا، وتكسرها طوارق الأيام.

هكذا وجد (حتروش) نفسه خارج دائرة أحلامه وأمانيه. وجد نفسه منبوذا في شركة مغمورة، اسمه في ذيل قائمة العاملين بها كأحد الموظفين الصغار.

شركة يديرها رجل شبه جاهل. الشركة تسير بالمقلوب. وحياته هي الأخرى تسير بالمقلوب، تمشي دائما في الخط المعاكس لكل رغباته. وأمانيه!!

كل شيء يتحقق على نقيض رغبته. بشكل عنادي قاهر. عذاباته تتنامى، وتكبر، وتتكاثر بداخله كالأشواك الشرسة. تمنَّى شيئا واحد فقط: لو أنه يعيش حرا طليقا.. لو يتشرد. ويتصعلك. في شوارع الدنيا كأي كلب هامل!!

لو يتحرر من العمل, من البيت، من كل شيء. لكن هذا الحلم برغم بؤسه وشقائه وتعاسته. لن يتحقق!!

فهو محاصر بهموم لا خلاص ولا فكاك منها. هموم أثقلت عاتقه. وكسرت ظهره.

راتبه حفنة من الدراهم لا تكفي مؤونة كلب مستور الحال...!

ديونه تزداد وتتضاعف. زوجته تتدحرج أمامه كالقنفذ قميئة. سيئة الخلق.

تزوجها مطلقة، وراءها ثلاثة أطفال.

طبعا هذه من هبات السيد (الفقر).. لو كان الفقر رجلا لقتلته.

الأغنياء وحدهم هم الذين يملكون حق الاختيار.

أطفالها كالجرذان الحمراء.. "وصوصة"، وتقافز، وتعارك، وتوسيخ، وبكاء...

تحول منزله الضنك إلى مزبلة. مناديل، قطع حلوى، بقايا فواكه. وهذه الحرون لا تلتقي معه في فكر، أو ذوق، أو رأي.

وجد نفسه يشقى ويكد ويكافح ويعرق، ويسهر ويتحمل أقسى المشاق والمتاعب الجسدية والنفسية، لكي يلقي براتبه أمام هذه البغلة لتغرقه، وتبعثره على جرذانها...

قذف بصحن الطعام صارخا ما هذا؟! إلى متى سأظل آكل من يديك هذا العلقم؟!

أقفل الباب خلفه بشده، وهو يشتم الحظ العاثر الذي جمعه بهذه البهيمة؟

مشى في الشارع على غير هدى. لا يدري أين ستقذف به قدماه، مشى حتى أعياه التعب. وجد نفسه يتخبط من شارع إلى شارع، ومن زقاق إلى زقاق...

وجد نفسه في جوف حي بأطراف المدينة، حيث يتشكل من "الصنادق" والبيوت الطينية شاذة التكوين. عثرت رجله بكلب وهو يمشي في ممر مليء بالقطط والماء العكر والقاذورات، فنبح عليه وكاد يعضه..

أفاق على نفسه وقال أين أنا؟! وكيف جئت. ولماذا جئت؟

صار يبحث عن منفذ في هذه الحارة السيئة القذرة التي تؤوي في جوفها اللصوص والمروجين، وأصحاب السوابق.

سار ولكنه أمعن في المتاهة! ساوره القلق والخوف. فكلما تقدم به الليل اشتد الخطر.. الحارة تزداد ضيقا وظلمة، الروائح النتنة الحادة تتصاعد أكثر، أرعبه صوت جئير وعويل منبعث من باب بيت قميء غارق في الظلمة...

أسرع.. هرول لا يدري أين يذهب! غرق في تفكيره وهرولته، دخل ممرا أشبه بالسرداب.. ركض لاجتيازه.. تعثرت رجله ببطن شخص مستلق فصرخ. بعدها أحس بضربة عنيفة على عنقه، وأخرى على أذنه. حاول أن يقاوم. ولكن الأيدي والركلات تكاثرت على رأسه وبطنه.

يتبع