كيف يجب أن تتعامل القوة العظمى مع الأمم الأخرى؟ ما هي الصفات المطلوبة للقائد الناجح والدولة الناجحة في حكم العالم؟ في مقالة اليوم نحاول استخلاص عدد من الدروس القيادية من سيرة الملك الصالح ذي القرنين والتي يمكن تطبيقها في عصرنا ومنها:

أولا) التنمية الشاملة:

في رحلات ذي القرنين المذكورة في سورة الكهف نجد أنه لم يسع لخوض المعارك العسكرية بل جاءت زياراته لأغراض إنسانية وتنموية من إحقاق العدل ومساعدة الأقوام باستخدام القدرات العلمية والتقنية والهندسية مع القدرة على تسخير المعادن. وأضف لذلك القدرات الدبلوماسية في التخاطب مع القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا والقوم الذين لم يكن لهم ستر من الشمس. ناهيك عن قدرات الإعلام والعلاقات العامة بلغة عصرنا في كسب ثقة الشعوب المختلفة التي راحت تطلب منه يد العون والمساعدة وتنظر له كمنقذ لا كقوة احتلال واستعمار. وما كانت هذه النجاحات لتتحقق لذي القرنين بجهود ذاتية دونما قدرات متكاملة وطاقات مميزة في مختلف المجالات.

ثانيا) الشراكات وبناء القدرات:

في رحلة ذي القرنين الأخيرة المذكورة في سورة الكهف إلى القوم الذين كانوا يعانون الويلات بسبب يأجوج ومأجوج نجد أن أولئك القوم كانوا يعرفون المشكلة (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ)، ولديهم قدرة إنفاق مالي وقوة اقتصادية (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا)، ويعرفون الحل (عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا). وفوق ذلك فكانت أرضهم غنية بالمعادن من النحاس والحديد. وهنا نجد حرص ذي القرنين على إشراك أهل تلك المنطقة في الحل في قوله (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) وأيضا (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) و(انفُخُوا) و(آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا). وفي ذلك درس عملي في الشراكة وبناء القدرات بين الدول العظمى وبقية الدول رغم أنه كان بإمكانه استغلال تلك الظروف لابتزازهم مالياً ولكن ذا القرنين كان أرقى وأسمى من ذلك هو ودولته.

ثالثا) الرؤية والطموح:

يمكن الجزم بأن نجاح ذي القرنين ودولته في السيطرة والنفوذ على تلك المساحات الشاسعة هو نتاج عمل دؤوب استمر سنوات وعقوداً من الزمن لإعداد تلك القوة العظمى وبناء قدراتها. وتستشرف طموحه الكبيرة من رحلاته كبر تلك المسافات الكبيرة. ويكفيك من إنجازاته تسخيره لحماية البشرية من شر يأجوج ومأجوج إلى يومك هذا.

وأخيرا، قصة ذي القرنين محفزة دولة تسعى للتقدم والنماء بأيدي أبنائها المثابرين وشعبها الطموح، فنحن وكما يقول الأمير خالد الفيصل: "مكاننا الطبيعي في الصف الأول بين دول العالم الأول!".