اليوم من التحديات التي تواجه الانفاق الحكومي الرأسمالي هي عدم وجود بورصة أو مؤشر استرشادي لتكلفة المشروعات وإنما الأمر متروك لحرية السوق وخاصة فيما يتعلق بمشروعات الدراسات.. مما خلق تفاوتاً غير منطقي في تسعيرة تلك الدراسات وبالتالي مزايدات ونقاشات بين الأطراف المستفيدة والممولة وأيضاً المقدمة للعروض المالية وفي آخر المطاف الركون إلى الأمر الواقع والقبول بالسعر العالي من أجل صرف المبالغ المدرجة لتلك الدراسات في الميزانيات السنوية.

أنصار حرية السوق يرون أن السوق هو الذي سيحدد السعر وبالتالي ليس من الداعي لوضع مؤشر أو بورصة أو أدلة استرشادية سواء سنوية أو نصف سنوية أو فصلية وأن الموضوع يخضع لعوامل عدة على رأسها المنافسة وحجم الشركات وخبراتها أو جنسيتها، وكذلك ما يكون مكتوباً من شروط في كراسات المواصفات وما يصدر بتوصيات من اللجان الفنية أو العلمية..إلخ ومما جعل هناك تفاوتاً كبيراً في الأسعار قد يزيد سبعين في المئة ما بين دراسة ودراسة أو عرض وعرض آخر.

أعتقد اليوم من غير المنطقي أن ندفع عشرات الملايين على دراسات تسمى دراسات مكتبية أو دراسات "ديسك" لمجرد أن لدينا سيولة نقدية يجب صرفها في أي اتجاه، وكذلك التبرير أن الشركة الفلانية وضعت لنفسها سقفاً سعرياً في السوق لا يمكن أن تتراجع عنه. بينما وفي آخر المطاف نخرج بمخرجات لاتوازي التكاليف ولا يمكن تطبيقها لأنها غير واقعية أو أنها مقدمة بشكل إخراجي جذاب وبإحصائيات أو فرضيات أيضاً غير دقيقة أو بتوصيات تدعو إلى القيام بدراسات متواترة مع هذه الدراسة ونقع في فخ دوامة تواتر الدراسات ومن يد شركة استشارية إلى يد أخرى.. كل هذا على حساب المنجزات على الأرض والخدمات التي ينتظرها المواطن.

اليوم الدولة تحدد ميزانية الدراسات على ضوء تقديرات الجهات المستفيدة فهناك جهات تضع تقديرات عالية جداً وخيالية وأخرى شبه منطقية وجهات تضع تقديرات لمصالح مختلفة المهم أن إجمالي هذه التقديرات عادة ما تأخذ في عين الاعتبار بالدرجة الأولى الحصول قدر الإمكان من الجهة الممولة وهي المالية وعلى أكبر قدر من المبالغ وبعدين لكل حادث حديث.. ومع استشعار جهة التمويل في الدولة بأن هناك تقديرات غير منطقية وغير مبنية على مؤشر وطني أو حتى دولي لهذه المبالغ يبدأ سيناريو المكاسرات وهناك من يزايد وهناك من يكاسر وتصبح العملية خبط عشواء من تصبه يحصل على مطالبه ومن لم تصبه يبدأ بسياسة الترشيد وتتدبر أموره.

المستفيدون من وراء تلك الدراسات وتكاليفها العالية سواء من خلال العقود الاستشارية لهم ولجماعتهم، وعوائد تذاكر السفر الدولية، والمكافآت المقطوعة التي لا تخضع لأنظمة الرواتب والمكافآت هذه شبه فساد غير منظورة وغير مباشرة من الصعب ضبطها لذلك فأصحاب تلك المصالح يحاربون وسيحاربون من أجل تلك الدراسات وليس من أجل مخرجاتها وسيقدمون الكم الهائل من المبادرات التي تحتاج إلى دراسات مكتبية حتى وإن عملت في السابق وأيضاً سيقنعون الآخرين بأن تلك المبادرات هي حجر الزاوية لنجاح أي مبادرات وأي تحول، وأن البلد لن تتحول ولن تحقق الرؤية إلا عبر بوابة تلك الدراسات المليونية وهذه كلمة حق أريد بها باطل فالمشروعات والأفكار والمبادرات التي أقرت لتحقيق الرؤية تمشي حسب ما خطط له والمنجزات على الأرض هي التي ستتكلم عن نفسها ولسنا بحاجة للمزيد من المنظرين والذين أشغلونا بالورش والمحاضرات وتدريسنا وين نروح ويجب ألا ننسى أو نغفل بأن الدولة خلال عقودها عملت على إعداد كم هائل من الدراسات والإستراتيجيات واطلعت على جميع التجارب الدولية، اليوم يجب أن ننظم ونتقن سوق الدراسات الحكومية ونحدد المعدلات السعرية لها بالإضافة إلى الرقابة على أدوات ووسائل الصرف والحد من مفهوم الصرف لمجرد الصرف أو إيجاد أطراف ثالثة لقانونية الصرف، والأهم من ذلك إما إيجاد مؤشر لتكاليف مشروعات الدراسات الحكومية أو تأسيس شركة حكومية للدراسات الاستشارية من الممكن أن تكون المكاتب الاستشارية السعودية شريكاً فيها.