إذا لم تستطع شيئًا فدعهُ

وجاوزه إلى ما تستطيعُ

لم يكن هذا بيتًا شعريّاً من كلاسيكيات الشعراء، ولكنه ميزان لضبط السلوك في طريقٍ ما، رسم منهجًا وفنًّا مستقلاً، لأولئك الذين تترصدهم عقباتُ الفشل في بعض منعطفات حياتهم، فيلجأ كثير من هؤلاء المصدومين بحواجز الفشل، إلى الأسلوب الأكثر رواجًا بين الطامحين لتحقيق أهدافهم المرسومة، وهو أسلوب "تكرار المحاولة"، دون تغيير في نمط السير، ولا نظر لأهلية الذات، فيتكرر الفشل! وهذه نتيجة منطقية لهذه المقدمة، أو أنه يصطحب فشله مظهرًا النجاح بأسلوب أو بآخر، مغالطًا بذلك نفسه، وغاشاً لأمته، فيأخذ من الشهادات ما يأخذه الناجحون، ويتبوأ مراكز التوظيف بناءً على ما أعطي من شهاداتٍ محاباةً وإيهاماً لنبوغه وتميزه، وفي الحقيقة لا يصلح مثله أن يكون في ذلك الموضع؛ لأنه غير قادر على ملئه، فإنما نال ما ناله وفقًا لمعطيات بعيدة عما يناسب قدراته.

إنما يكفي الطفل من تعليم الأخلاق ما تستقيم به فطرته، ثم يُرسل في طريق موهبته وقدراته، فإذا أحسنّا ذلك وجدنا كثيراً من أطفالنا نوابغ، في العلم، والطب، والفيزياء، والهندسة، وغير ذلك مما تحتاجه الأمة في مسيرتها للعزة والسؤدد، ووجدنا أشداءهم حماة لأوطانهم، وأذكياءهم قادة فكر وصناعة وبناء وعلم..

وهذا مخالف لثوابت الشريعة، ففي الحديث «من تولى عملاً وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل أهل فليتبوأ مقعده من النار» وهو أيضًا منافٍ لبناء الأوطان، فإن الأوطان لا تبنى إلا بقاعدة "الرجل المناسب في المكان المناسب"، ولكل موضع رجل يناسبه، فمواضع تناسبها القوة والشدة، وكم هي حاجة الأوطان لهذا الصنف، ومواضع يناسبها الذكاء والفهم، ومواضع يناسبها الشجاعة والإقدام، فمن أعطي قوة في بدنه ولم ير من نفسه نباهة الفهم، فلا ينبغي له أن يقحم نفسه في مواطن تتطلب منه دقة التأمل والنظر، وقد لا يكون اختيار المستقبل مسؤوليته في مقتبل حياته بل مسؤولية جهة أخرى، وربما غره غيره، أو رجا بفعله براً بأب أو أمّ، وربما وعِظَ للاستمرار في الاختيار الخطأ، وكرر على مسمعه:

اطلب ولا تضجرنّ من مطلب

فآفة الطالب أن يضجرا

ألا ترى الحبل بتكراره

في الصخرة الصماء قد أثرا

ولا يُستغرب بعد ذلك الأخطاء والفواقر التي تجيء نتيجة التخطيط الخطأ للمستقبل، والإصرار على سلوك طريق لم تكن ذاته مهيئة لها.

وفي سير كثير من الفقهاء والعلماء والأطباء سر عظيم لنجاحهم وانتفاع الأمة بهم، هذا السر هو تلك النجابة والذكاء والموهبة التي جبلوا عليها وخلقت معهم، وتوسمها فيهم غيرهم فأعانهم ودلهم!

ومن هنا ينبغي للدول المسلمة أن تشكل لهذا الغرض الهيئات والخبراء، ليقفوا لكل جيل في أول طريقه، يتفرسون مواهبهم، ويقيسون قدراتهم، فإن السنين الأولى من عمر الإنسان تحدد ملامح حياته، وتشير لأوليائه إلى الطريق الافتراضي لقدراته، ولكن الواقع لا يفعل من هذا شيئاً، فتُرك الأمر للعواطف، والأسوأ من العواطف، ذلكم السلوك السائد بين الناس من حصر البر والصلاح والاستقامة في التدين الشكلي العرفي بين الناس، فظنوا أن من أساسيات البر والاستقامة أن يحفظ الطفل القرآن ويلازم الفقهاء، حتى إذا بلغ رشده تُرك له الحبل على الغارب، وهذا ليس صحيحاً، وإنما يكفي الطفل من تعليم الأخلاق ما تستقيم به فطرته، ثم يُرسل في طريق موهبته وقدراته، فإذا أحسنّا ذلك وجدنا كثيراً من أطفالنا نوابغ، في العلم، والطب، والفيزياء، والهندسة، وغير ذلك مما تحتاجه الأمة في مسيرتها للعزة والسؤدد، ووجدنا أشداءهم حماة لأوطانهم، وأذكياءهم قادة فكر وصناعة وبناء وعلم، وتنتظم مسيرة الأجيال دون تكرار تجارب الفشل، أو اصطحاب الفشل نفسه، فليرفع الموجهون لأبناء الجيل القادم شعار التوجه الصحيح المبني على قدرات الشخص الذهنية والبدنية، وليطرقوا السبل المناسبة لتمكينه من اختيار مستقبله وفقًا لتكوين ذاته، وقياس قدراته وعطائه، فإذا أُغلق باب وهو في الاتجاه الصحيح، فلا عليه لو تركه لبابٍ غيره في نفس الطريق، مرتجزًا بقول القائل:

إذا سُدّ باب عنك من دون حاجةٍ

فدعْهُ لأُخرى ينفتحْ لك بابُها

هذا، والله من وراء القصد.