في الماضي, كانت الصحافة هي الناقل الرسمي لهموم المواطن. على المواطن أن يجهز الهم المناسب ويسلمه للمحرر. يقوم المحرر بعد ذلك بصياغة الهم حسب نظرية سددوا وقاربوا. يحق للمواطن أن يعبّر عن شكواه بأفصح ما يجود به لسانه ولا بأس أن يزيد على الفصاحة حزناً وغماً وأن يستخدم بعض المؤثرات البلاغية والإنسانية والشتائم الخفيفة للجهة المشتبك معها مع عدم ضمان الأخذ بها كما يرجو. يسلم المواطن نص الهم للمحرر ثم يعود إلى بيته سعيداً. يستيقظ فجر يوم غد. يركض إلى أقرب بقالة. يشتري الجريدة. يفليها سطراً سطراً لعل عيناه (تصافح!) شكواه. إذا خاب أمله وكثيراً ما يخيب, يستيقظ صباح اليوم الثاني في نفس الوقت. يهرع مرة أخرى إلى نفس البقالة لعل عيناه (تصافح) أيضاً شكواه بين سطور الجريدة. هكذا تتابع الاستيقاظات على مدى أسبوع أو أسبوعين ثم تأخذ في التباطؤ وأخيرًا يتوقف عن شراء الجريدة، ويكتفي بتصفحها في البقالة. بعد أيام يتصالح مع همه في انتظار هم جديد.

لا يعود هذا إلى سوء نية الجريدة وعدم تعاونها مع المواطن، ولكن يعود إلى أن كل مواطن يعتقد أن همه هو أبو الهموم. لا يدرك أن الهم نوعان: هم تافه لا يمكن أن تنشره الجريدة وهم أكبر من قدرة الجريدة على نشره. القليل الذي يقع بين هذين الهمين هو ما تراه منشوراً في الجرائد.

مرة كنت أجلس مع نائب رئيس تحرير إحدى الجرائد، دخل علينا شاب في عنفوان حماسته وغضبه يشتكي أن البلدية لم تردم حفرة أمام بيته ويريد من الجريدة أن تتبنى غضبه. كان المواطن على قدر كبير من التسلح بالأدلة. بين يديه صورة للحفرة وصورة لموقعها من الشارع وموقعها من بيته (لعله أول من استخدم كاميرا جوال نوكيا فيما يفيد ولعله يعد رائد الشكاوى المصورة التي نراها على شبكات التواصل اليوم).

لا أحد ينكر أن حجم الألم يقرره من يعانيه لكن كما شرحنا له ثمة فرق بين بلدية الرياض وبين بلدية موناكو. ثم أوضح له نائب رئيس التحرير قائلاً: إذا كانت شركة المقاولات لم تترك إلا هذه الحفرة أمام بيتك فأنت في نعمة, رح شف الشارع الذي يقع عليه بيتي أو الشارع الذي يقع عليه بيت أمين البلدية عشان تبتهج بهذه النعمة.

إذا قارنا بين ما ينشر في الجرائد من شكاوى في ذلك الزمان، وبين ما ينشر اليوم في منصات التواصل الاجتماعي ستكون المقارنة في صالح الجرائد. للجريدة هيبة وكلمة مسموعة. كل ما ينشر فيها يتصف بالصدقية, بينما من الصعب أن تميز بين الصحيح والمزيف والمبالغ فيه فيما ينشر على منصات التواصل, بل صار للمخابرات الأجنبية صوت. لذا تبقى الجريدة المنصة الأقوى للتعبير إذا تمت إدارتها بشجاعة راشدة.