يحكي ألبرتو مانغويل عن مكتبته، وكأنّه يروي قصة بديعة من الأزمان الغابرة، يروي تاريخ المكان، قبل أن يدخل في تفاصيل اقتنائه له، وتحويله إلى مقر لسكنه ومكتبه، ثم يأخذنا في رحلة عجيبة لاستكشاف مكتبات العالم العظيمة، وأهمها مكتبة الإسكندرية، ثم يعيدنا إلى ماضي طفولته وهو في الثامنة من عمره وقد قرأ قرابة المئة كتاب، وكوّن بها مكتبته الأولى....

ومنذ ذلك العمر المبكر خبر الصبي مذاق الكتب وجمالها وهو يلمسها ويتنشق رائحتها ويرتبها، ويقضي أوقاتاً طويلة في ابتكار طرق لترتيبها لتكون أكثر جاذبية، ومنذ تلك الأيام أدرك أن الكتب لا يجب أن تكون مصفوفة في مكتبة أعلى من الرأس ولا أسفل الركبتين، لأن ما فوق وتحت يصعب تأمله بارتياح كما يستثقل القارئ أن يطاله ولو من باب إلقاء نظرة .

وهو إذ يمارس هذه الهواية نهاراً، فقد كسب خبرة أن المكتبة في النهار تمثل "محاكاة للترتيب الصارم المرجو عقلانياً" أما في "الليل فتبهج قلب العالم بالفوضى الجذلة" لهذا يقرأ ليلاً، ويصور لنا المكتبة بأنوارها الساحرة ليلاً من خارج البيت، ثم يصفها لنا من الداخل، وكيف تصبح عالماً خلاّباً ليلاً، لدرجة أنه بعد ساعات من القراءة يجر قدميه لغرفة النوم وهو غير قادر على فراق كتبه، ومع هذا فإنّه يعتبر لحظة الخلود للنوم في تلك اللحظات نوعاً من المغامرة الجميلة واستمراراً للمتعة التي تغمره وهو يقرأ.

لا وصف لتلك النشوة يقول، لأن لا شيء يضاهيها، بل يضيف أن القراءة ليلاً عامل مهم للمؤلفين لتجديد أفكارهم لليوم التالي و كتابة أشياء جميلة وناضجة.

يشرح بطريقة ذكية أن القراءة في المكتبة مع استعمال قلم لتدوين الجمل المهمة هو ما يسمى بالقراءة الفعالة، أما القراءة في الفراش فهي للاسترخاء واستحضار النوم، وهذا ما لفت نظري في عدة دراسات حول أهمية القراءة لعلاج الاكتئاب والأرق...

وهذه ليست مبالغة بقدر ما هي طريقة صحية لا تأثيرات جانبية لها، حتى الذين يكرهون القراءة، يمكنهم الدخول في التجربة، وكل مستلزمات القراءة فراش ووسادة ونور خفيف... ثم استسلام للحكاية... ثمة سر آخر يبرز مع الاستمرار في القراءة ليلة بعد ليلة، هو سلطة المكتبة، والانغماس في أجوائها، كما "يمكن للباحث من خلال حرفة القراءة أن يحوّل الاعتقاد الديني إلى قوة خلاّقة" وهذا بارز جداً في الثقافة الإسلامية ويعترف به مانغويل.

يأتي بعدها الأمر الأكثر إدهاشاً، حين تأخذ المكتبة المكانة الأرفع في الحضارات العظيمة، ومنها بدأ الطغاة وكبار المستعمرين كسح شعوب بأكملها، فتدمير حضارة يبدأ بحرق مكتبة، والعكس صحيح أيضاً.