لو أن أول درس يطبقه الطالب في يومه المدرسي الأول هو أن يغرس شتلة في فناء مدرسته, ويواليها بالرعاية والسقاية, لتغير نمط علاقته ليس فقط مع مدرسته, بل مع محيطه ومنزله والفضاء المدني من حوله.

الأسلوب الجائر الذي يتعامل به البعض مع محيطه البيئي ومرافقه العامة, هو بالتأكيد نتاج ثقافة رعوية قديمة قائمة على الندرة والشظف, واعتادت أن تتناول من المرعى كل خيراته ومخلوقاته ومصادره الطبيعية, قبل أن تتركه وتخلفه يباباً وترحل لمكان آخر.

ولأن هذا النمط بات يشكل تهديداً حقيقياً للبيئة حولنا, والتي هي بدورها بيئة شحيحة في موارد الطبيعية, فإننا بالتأكيد نواجه كارثة طبيعية سيكون لها انعكاستها السلبية على التوازن البيئي.

الفتك الهمجي اللا مسؤول بالبيئة الصحراوية, لايهدد التنوع الحيوي في الممكة فقط بل يهدد أنواعاً كثيرة منه بالانقراض, وتلك الطيور المهاجرة التي كانت عبر التاريخ تقطع رحلة الشتاء والصيف فوق جزيرة العرب بأمان, وباتت الآن تتعرض لمجازر صيد لحظة دخولها أجوائنا, ورغم وجود نظام رسمي (نظام صيد الحيوانات والطيور البرية), إلا أن الموضوع بات خارجاً عن السيطرة بسبب عدم وجود شرطة بيئية أو أمن بيئي, فهناك أنظمة تسن ولا يوجد جهاز يطبقها.

وقد لايقتصر الأمر على الصيد الجائر بل يتجاوزه إلى انتهاك المراعي والغابات, والعبث بالثروات السمكية.

وبحسب وزارة الزراعة تفقد المملكة 3376 هكتاراً من الغطاء النباتي, نتيجة الاحتطاب الجائر والاعتماد على تقنيات حديثة وسريعة تجز أشجاراً أمضت في مواقعها الصحراوية مئات السنين لتفتك بها بثوان, ولاسيما أشجار الأرطي والغضا اللذين كانا جزءاً من الثقافة ولطالما تغنى بهما الشعراء.

يقول مالك بن الريب في رثائيته:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا

فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه

وليت الغضا ماشى الركاب لياليا

لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا

مزار ولكن الغضا ليس دانيا

لكن نجد السوق الآن ومع بداية موسم الشتاء يستقبل الأطنان منها كل عام, فتترمد بساعات غصون شجرة كانت تلطف غضب الهجير وقسوة القفار منذ الأزل.

ورغم الغرامة الكبيرة التي وضعت ضد الاحتطاب الجائر, إلا أن الأمر يبدو سائراً في منزلق لا يمكن السيطرة عليه, فقد آشار د. الصقير أستاذ المحاصيل والمراعي في جامعة القصيم, بإن الأعداد المتزايدة من قطعان الأبل أدت إلى تدهور خطير في الغطاء النباتي الطبيعي, مما يؤدي إلى خلخلة التربة وكثافة العواصف الرملية.

غريزة الصيد والالتقاط المرافقة لإنسان الكهف البدائي, مابرحت ماثلة أمامنا في بعض المقاطع في وسائل التواصل الاجتماعي, والتي لم تسلم منها حتى قطط الشوارع البريئة.

ماذا نستفيد من فتى استطاع يذهب يومياً إلى المدرسة, ويعرف الأبجدية, وجدول الضرب, ولكن في أعماقه إنسان همجي بنزعات عنف كبرى نحو التدمير والخراب؟

شتلة صغيرة في اليوم المدرسي الأول.. حتماً ستصنع فرقاً لما نراه حولنا من هذا العبث المتفلت بمنزل أمنا الصحراء.