قبل سنوات - وبالتحديد أكتوبر 2011م- كنت أقف أمام أحد منزلي الكاتب الأمريكي "جورج رايموند مارتن", الذي كان بدأ للتو يختبر حياة الشهرة وملاحقة الجمهور, بعد سنوات طويلة من الإبداع خلف الكاميرا.

كانت الأجواء تميل إلى البرودة في "سانتا فيه" عاصمة ولاية نيومكسيكو الأميركية, وكأنما تتلمس أجواء الشتاء القادم كما هي الحبكة الأساسية في سلسلة روايات "أغنية من ثلجٍ ونار", حيث الممالك السبع تتصارع على العرش الحديدي, وتحاول إبقاء الشر وراء الجدار, رغم خوفهم جميعاً من الشتاء القارص القادم.

كان الجزء الأول من المسلسل التلفزيوني "صراع العروش" قد انطلق في أبريل ذلك العام, وعلى الفور سجلت الحلقة الأولى أكثر من مليوني مشاهدة, ليختتم الموسم الأول بثلاثة ملايين مشاهد للحلقة الأخيرة, وهكذا تحقق حلم "مارتين" بإمكانية بعث الحياة في قصته التي كتبها رواية لأنه لا يستطيع تنفيذ شبيهاتها في التلفزيون, وهو ما كان "كلمة السر" في المسلسل حينما اقتبس بمعايير القصة وليس بمعايير محدودية الإنتاج التلفزيوني, هذا العام تأخر عرض "صراع العروش", ورغم اقتراب حلول الشتاء في الرواية إلا أنه عرضه لأول مرة في عز الصيف أكد استمرار ظاهرة الهوس بالقصة, فالحلقة الواحدة تسجل بالمتوسط تسعة ملايين مشاهد فقط في أميركا, ناهيك عن بقية العالم! رغم قشعريرة لسعات اقتراب الشتاء!

كنت مهتماً بالاطلاع على نمط حياة الكاتب الذي خلق عالماً ضخماً من الشخصيات المتشابكة والأحداث المعقدة, عوالم متداخلة وفنتازيا مذهلة, ذلك المؤلف الذي كان وفياً لموهبته فتوقف عن الكتابة للتلفزيون بعد أن وجد أن حدود الإنتاج ضيقة, وأن الكتابة على الورق تمنحه مساحات لا نهاية لها من الشخصيات والأحداث والقلاع والحشود, ليصدر الجزء الأول "لعبة العروش" عام 1996 في 800 صفحة متخمة, وتتوالى الأجزاء الضخمة بعد ذلك.

اعتمد "مارتن" في نجاحه على مخيلته الجامحة والإسقاط على حروب القرون الوسطى وصراعات السلطة ونوازع النفس البشرية, ثم انتقاله إلى "سانتا فيه" واعتزاله العمل التلفزيوني الذي كان يستهلكه ويحد من إبداعه, لكنه بعد سنوات عاد إلى الشاشة الصغيرة ولكن بشروطه هو! إذ وافق على اقتباس روايته بعد ما يزيد على عشر سنوات بعد محاولات عديدة وتأكيدات أن لا حدود في السخاء على الإنتاج, مما أدى إلى نجاح المسلسل, وبالتالي نجاح وانتشار القصة الأساسية. ولك أن تتصور أن من حقق كل هذا النجاح لم يخجل أن يرسل مسودة الجزء الرابع كاملة إلى الشاب "إليو غارسيا" لمراجعة حقائق الأحداث والشخصيات, فغارسياً هو مشرف موقع "ويستروس" كناية عن القارة التي تجمع الممالك السبع.

هناك وقفت على منزله البسيط ذي الطراز المكسيكي, والذي يمكن أن تميزه بصندوق بريده على شكل قلعة من القرون الوسطى, وسيارته "المازدا" القديمة, ثم منزله الثاني في نفس الشارع, والذي تحول إلى مخزنٍ لدمى الأبطال الخارقون وأساطير "سيد الخواتم", بعد أن ضاقت بها جدران منزله الأول, وطلبت منه زوجته نقلها إلى الخارج, فابتاع منزلاً بسيطاً لا يبعد سوى خطوات قليلة عنه, ويبدو أن هذه البساطة تؤكد الطرفة التي لن يفهمها سوى مهوسيي "صراع العروش": أن جورج مارتن قد يكون غنياً كما ال لانيستر لكن يعيش بسيطاً كما ال ستارك! وهذا بالتأكيد ما رأيته بأم عيني.