تغيير أسماء الأماكن.. مرة أخرى!

أ.د. عبدالله بن ناصر الوليعي

لقد سعدت برد الزميل الفاضل الدكتور عوض بن علي الزهراني (جريدة الرياض، الجمعة 28 ربيع الآخر 1427ه - 26 مايو 2006م - العدد 13850) بعنوان «تغيير أسماء بعض الأماكن ليس عبثاً» على المقال الذي سبق أن كتبته في نفس الجريدة (الجمعة 14 ربيع الآخر 1427ه - 12 مايو 2006م - العدد 13836) بعنوان «تغيير أسماء الأماكن بين الضرورة والعبث» وذلك لثلاثة أمور: الأول أنني قد أذكيت فيه جذوة التخصص فراح ينقب عن الأسماء القديمة للربع الخالي وهو لعمري كان الهدف الرئيس من مقالتي آنفة الذكر، وهو المتوقع ممن هو في منزلة الدكتور عوض الزهراني المتخصص في الآثار ممن همه عشق القديم والتنقيب عن الأنقاض على الأطلال. والثاني هو تأكيد على أن الآثاريين هم أكثر الناس محافظة على الأسماء القديمة، ولذلك فهم غالباً ما يعيدون ويصححون كثيراً من الأخطاء التي يقع فيها غيرهم، وهذا ما يفرضه عليهم واجبهم ورسالتهم. أما الثالث فلأنه تخلى عن دعوته لتسمية الربع الخالي بالربع الغالي، وعدل عنه إلى اسم قديم هو الأحقاف.

وفي البدء أحب أن أذكِّر الزميل العزيز بأنني لم أكتب مقالتي احتجاجاً على دعوة أحد لتسمية الربع الخالي باسم قديم كصهيد أو وبار أو الرملة أو الأحقا ف أو غيرها، وإنما كانت عن الدعوة إلى تسميته بالربع الغالي (بحرف الغين)، فهو اختراع لاسم جديد، وليس عودة لاسم قديم.

وقد دعا الدكتور الفاضل في رده إلى تسمية الربع الخالي بالأحقاف فهو اسم قديم، لكنني أحب أن أذكر الزميل العزيز بأن هناك أسماء قديمة عديدة لأجزاء الربع الخالي غير الأحقاف التي لا تعني أكثر من وصف لجزء صغير من الربع الخالي المواجه لهضبة حضرموت. فمن المعروف بأن الأسماء القديمة لأجزاء الربع الخالي هي رمل يَبْرين الذي كان يُطلق على الجزء الشمالي الشرقي من الرُّبْع الخالي نسبة لواحة يَبْرين (أو جَبْرين) التي تقع جنوب حَرَض بنحو 90كم، والأحْقَاف على الجزء الواقع شمال هضبة حَضْرَمَوت، والجزء يطلق على القسم الشمالي الغربي جنوب وادي الدَّواسر عندما تنقطع جبال طُويق (العارض)، أما وَبَار فيطلق على القسم الغربي من الرُّبْع الخالي المتاخم لبلاد اليمن. أما الأقسام الحالية المتداولة للربع الخالي فهي العروق المعترضة في شرقي الربع الخالي، والدِّكاكة وعروق الموارد والقعاميات في جنوبي الربع الخالي، وشُّقة الخريطة ورملة يام ورملة دهم في الجزء الجنوبي الغربي منه، وعروق بني مُعارض وبني حُمران وعروق الرُّمَيْلة في غربي الربع الخالي، والطراعيز والحباكة والكرسوع والسَّنام في الوسط والشمال.

وهكذا نرى بأن الأسماء القديمة لأجزاء الربع الخالي أو الأسماء الحديثة لها تأخذ من معالم قريبة من الربع الخالي كيبرين أو الأحقاف، أو أسماء قبائل كيام ودهم وغيرهما، أو من أشكال الرمال كالسنام والطراعيز، وليس من بينها اسم جامع لكل الربع الخالي؛ لذلك فإن «الربع الخالي» يخدم هذا الهدف وهو اسم جامع لكل الرمال بأجزائها المختلفة الكثيرة جداً.

فهل الربع الخالي بدون اسم حتى نجتهد في البحث عن اسم له؟ من المعروف بأن اللجنة الدولية للأسماء قد قررت المحافظة على كتابة الاسم كما ينطقه ويستخدمه أهله. ومن المهم أن نذكر بأن البدو يتحرجون كثيراً في تغيير الأسماء حتى ولو كانت سيئة ومنفرة ويستعيضون عن ذلك بإطلاق لقب «طيب اسم» على المكان. وهناك المئات من الأسماء في أنحاء المملكة العربية السعودية تحمل هذا الاسم الغامض الذي يحثك على البحث عن الاسم الحقيقي. وهذا يتنافى مع الدعوات التي بدأت بعض المجالس البلدية بإطلاقها - كما حدث هذا الأسبوع من قبل المجلس البلدي بجازان - وهي تغيير بعض أسماء الأماكن لعدم مناسبتها. فما هو «غير مناسب» في مكان قد يكون مناسباً جداً في مكان آخر لاختلاف المقصود من الاسم ودلالته. وطرافة الاسم وغرابته قد تكون من أقوى المحفزات لزيارة المكان والوقوف عليه، وهذا مفيد سياحياً.

ولا يفوتني أن أشير بأن مما عكر صفو مقال الزميل الدكتور عوض الزهراني هو حث القارئ على رؤية التناقض الذي قد وقعت فيه حسبما ذكر. فيذكر بأنني في الوقت الذي أشيد بتغيير الجوف إلى دومة الجندل، أصف تغيير اسم أبي الدود بالتغيير الإيجابي وأنني أدعو إلى إضافة نقطة على الدال لتصبح ذالاً مما لا يتوقع من أكاديمي أن يفعله. وبداية فالقارئ مدعو إلى إعادة قراءة المقال المذكور ليتأكد من أنه ليس هناك تناقض كما ذكر، فقد ذكرت بالنص: «والتغيير السلبي الآخر هو تغيير اسم أبي الدود بالقصيم إلى «أبو الورود».. فأبا الورود الاسم الخيالي الذي اختير بديلاً للاسم الأصلي بعيد في الرسم وفي الدلالة عن الاسم القديم. ولو أنه عدل إلى «أبا الذود» (بالذال) لأصبح يحافظ تقريباً على رسم الاسم الأصلي «أبا الدود» ولا يختلف عنه سوى بنقطة وهو «أبا الذود». والذود هو قطيع الإبل. وبهذه الصورة فلن يتغير رسم الاسم في الخرائط والمعاجم ولوحات الطرق إذ سيحتاج الأمر فقط إلى إضافة نقطة فوق الدال الأولى».

فقد سميت تغيير اسم أبي الدود إلى أبي الورود «تغييراً سلبياً» لا «تغييراً إيجابياً» كما ذكر الدكتور الفاضل، ولكن بما أنه قد حصل فلو عدل إلى أبي الذود (بالذال) لبقي رسم الحروف مقارباً لرسمها الأول، وسهل التعرف عليه في الخرائط ولوحات الطرق وغيرها. فهل هناك تناقض في هذا؟

وختاماً أجدها فرصة لدعوة زملائي من الآثاريين أن يضعوا أيديهم في أيدي الجغرافيين من أجل العمل على الحفاظ على أسماء الأماكن وتسجيلها مع دلالتها، والعمل على تعقب ما اندرس من أسمائها وتسجيله، مع وضع قاعدة معلومات للعموم يستفيد منها الباحثون والجهات المعنية. وبهذه المناسبة أدعو إلى تنفيذ ما سبق أن دعي إليه في مناسبات عديدة وهو تأسيس لجنة مرجعية لأسماء الأماكن في إحدى الجهات الحكومية تنسق مع جميع الجهات الحكومية الأخرى ممن لها اهتمامات بالأسماء ورسمها كدارة الملك عبدالعزيز وهيئة المساحة الجيولوجية والمساحة العسكرية والهيئة العليا للسياحة ووزارة الشؤون البلدية والقروية والجمعية الجغرافية السعودية وغيرها.

هذا والله من وراء القصد.

٭ قسم الجغرافيا - كلية العلوم الاجتماعية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض












التعليقات





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع