في كتاب الخيال الممكن سوف تشعر بمدى الثقة التي أعطاها الأمير لفريقه في العمل وكيف بنى سلسلة من النجاحات في عقد الشراكات مع مؤسسات وأفراد مكنت هيئة السياحة من بناء جسور من الثقة المتبادلة حول قضايا مهمة وحساسة..

تعلمت من الأمير سلطان بن سلمان ثلاثة مبادئ إدارية، هي ليست في الحقيقة إدارية فقط بل هي مبادئ في فن التعامل مع الحياة والنَّاس. وقبل أن أذكر هذه المبادئ يجب أن أبين أني عرفت الأمير سلطان منذ أكثر من ربع قرن كرجل "ثقافة" عنيد، لا ييأس أبداً يصر على تحقيق أهدافه مهما كانت الصعوبات، وجميعنا نعرف ماذا تعني "المواجهة الثقافية" وماذا تحتاج الثقافة من جهد وصبر حتى تتحقق. لكن كذلك قليل منا يعلم ماذا كانت تتطلبه "السياحة" حتى تتحول إلى ثقافة مجتمعية مقبولة. لعل كتاب الأمير الأخير "الخيال الممكن" يحكي جزءا من هذه التحديات التي كانت بحاجة إلى رجل مثل سلطان كي يواجهها ويطوعها.

وبما أنني ذكرت البدايات التي جعلتني أتعرف على هذا الرجل "الشجاع" دعوني أقول إنني ذهلت من مهارته وثقافته الإدارية عندما عملت معه في هيئة السياحة والتراث الوطني. وأنا عادة أتحدث أكثر من أن أنصت، ربما هذا ناتج عن كوني أستاذا في الجامعة، لكن في حضرة الأمير الإنصات مهم، ليس لأن الكلام غير مسموح بل لأن هناك الجديد الذي دائما تتعلمه. هنا يجب أن أعود للمبادئ الثلاثة التي تعلمتها من الأمير وهي مبادئ أتمنى على القارئ أن يفكر فيها وهو يقرأ "الخيال الممكن"، فهي مبادئ تبين كيف تصنع "مؤسسة" مبدعة وعلى قدر المسؤولية.

كنت أسمع الأمير يردد دائماً "ثق وتأكد"، وهو مبدأ ينطبق على الأشخاص العاملين معك في الفريق وأولئك الذي تتعامل معهم في مناسبات مختلفة لكن الأهم من ذلك أنه ينطبق عليك كفرد في الفريق فأنت تدرب نفسك كي تثق في الآخر لكن بحذر وهذا مطلوب. في كتاب الخيال الممكن سوف تشعر بمدى الثقة التي أعطاها الأمير لفريقه في العمل وكيف بنى سلسلة من النجاحات في عقد الشراكات مع مؤسسات وأفراد مكنت هيئة السياحة من بناء جسور من الثقة المتبادلة حول قضايا مهمة وحساسة.  لكن حتى تصنع هذه الثقة الحذرة يفترض أن تفهم الآخر، وهذه هي المسألة المهمة.  المبدأ الثاني هو "كيف ترى بمنظار الآخر" وتفهمه. التحدي هو كيف تنتقل إلى موقع الآخر وترى ماذا ينظر في الجهة التي تكون فيه. وهذه مسألة صعبة ومعقدة لكنها مهارة رفيعة مطلوبة لبناء ثقافة السياحة، فكيف يرى المجتمع بأفراده ومجموعاته هذه المؤسسة وماذا يتوقعون منها مسألة في غاية الأهمية.

في إحدى المرات ونحن عائدون من حائل إلى الرياض طلبني الأمير في غمرة القيادة، وعادة ما يقود الطائرة بنفسه، فهو طيار محترف، وقال لي اجلس وكان هناك كرسي بين الطيار ومساعد الطيار، وقال لي أهم شيء في القيادة "مشاركة المعلومات" يجب أن يكون الفريق برمته على نفس القدر من الاطلاع على المعلومات لأن اختلاف المعرفة بالهدف وخطوات تحقيقه لدى الفريق يؤدي إلى الفشل. التفت إلي وقال لو أن المعلومات التي لدي اختلفت عن مساعد الطيار سوف يؤدي ذلك إلى سقوط الطائرة لا سمح الله. الحقيقة أن هذا المبدأ مذهل لأنه يدخل الإنسان في صراع مع نفسه لأنه غالبا ما يكون شحيحا بالمعلومات. إنه مبدأ للقادة ليس فقط كي يقودوا الفريق بل كي يقودوا أهواءهم ويتغلبوا عليها.

هذه المبادئ الثلاثة ليست كل شيء لكنها كانت الأساس في بناء فريق لديه قدرة عالية على التواصل مع بعضه البعض ومع المؤسسات الأخرى. فريق يعي قيمة الشراكة وتنظيم الأهداف وتطوير حلول لتحقيقها. الخيال المبدع، يحكي الكثير عن رحلة شاقة قام بها الأمير سلطان لترسيخ ثقافة السياحة في عقل وقلب المواطن السعودي، لكن ما لم يقله هذا الكتاب أكثر بكثير مما قاله، وأعتقد أن الأمير سلطان الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود من ترسيخ الهوية والموروث السعودي والمنافحة من أجل استعادته، لديه الكثير الذي يحكي عنه.