خمس وثلاثون سنة تفصل بين الرواية الشهيرة "الخبز الحافي" للروائي المغربي الشهير محمد شكري، ورواية "الحي الخطير" للكاتب الشاب محمد بنميلود، ولعلها خمس وأربعون سنة بحكم أن شكري أنهى كتابة الرواية سنة 1972 ورفضت من طرف دور النشر العربية التي راسلها آنذاك حتى نشرت الترجمة الإنجليزية لبول بولز، تلتها الترجمة الفرنسية للطاهر بن جلون، وشهرة الرواية باللغات الأجنبية هي من شفعت لها لتنشر باللغة العربية. وقد حوكمت الرواية من طرف القارئ العربي وكأنها دعوة للفسق والفجور، فيما الرواية تنقل واقعا مريرا يعيشه الإنسان العربي في الأحياء الدنيا والطبقات المنسية من الخليج إلى المحيط.

خمس وأربعون سنة إذن لم يتغير فيها واقع تلك الأحياء المنبوذة، الفقر نفسه يعيث في النفوس نخرا، ولا قانون سائد فيها غير "البقاء للأعنف".

يسرد الكاتب رحلة بطله الحياتية بلغة غاضبة تشبه اللغة التي يتخاطب بها أهل تلك الأحياء، شيء مقيت لا يمكننا محاكمته من خلف مكاتبنا البراقة، وأجهزتنا الموصولة بالشبكة العنكبوتية ورخائنا الذي لا تعرفه تلك الطبقات المحرومة.

نحن قراء الضاد، بموروثنا الديني المبالغ فيه، لا نتصور حياة العشوائيات وأحياء الصّفيح، والأطفال الذين يولدون من آباء يطلقون أرجلهم للريح خوفا من المسؤولية، والأمهات اللواتي فاجأتهن الأمومة في وقت مبكر وهن يلعبن بالدمى. لا شيء غير المرارة الدّاكنة في نص بنميلود، غضب وشتائم، وكلام بذيء يوجهه لقارئ بعينه يفترض أن يكون كل شخص في النظام الحاكم الذي لا يعنيه كل ذلك البؤس بل بشكل ما يرعاه لتبقى الفوارق صارخة بين طبقة تقطن في الأعماق العفنة وطبقة تقطن فوق الريح.

حنق كبير على الحياة التي لا عدالة فيها، مع كثير من الأسئلة المحيرة؟

هل يكفي أن نصنف هذا النوع من الأدب بأدب الصعلكة أو أدب الشُّطّار ونفلت عليه "كلاب" الإعلام النظامي المدرّبة على التحريض لنقده بالطريقة الأسوأ وتحويل الأنظار إليه بدل رؤية البؤس الحقيقي الذي يصفه؟

هل يمكن إنهاء مشكلة ملايين البشر بمجرد قتل كاتب فتح فمه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؟

في رواية "الحي الخطير" لبنميلود لا لغة غالبة بين الشخصيات غير لغة السكاكين، وزئير الدراجات النارية، والروائح النتنة، وكثير من القضبان التي تسيج أقدار من يريد الهروب والعيش بعيدا عن ذلك العفن، حتى الخال المهندس المتعلم المناضل من أجل العدالة الإنسانية مات في غياهب السجون بسبب أفكاره التحررية وهو الشخصية التي تدور حولها كل مقاربات الحدث الروائي.

فرمزية الخال ذات أبعاد قوية جدا، فهو النبراس الوحيد الذي ينبعث منه النور ولكنه بعد القضاء عليه، عمّت العتمة الفضاء المكاني للرواية الشبيه لحد كبير إسطبل بهائم حشرت فيه الكائنات البشرية المنسية، تتشاجر على لقمة العيش وعلى الحشيش لتنسى مصابها.

رواية "الحي الخطير" رواية قاسية، شخصيا أمنعها منعا باتا على ذوي القلوب الرقيقة، لكنني أنصح السياسيين بقراءتها بشدة، أو تقديمها لهم هدية في الاحتفاليات المتلفزة عسى أن تلين قلوبهم وتتسع أعينهم وتنفتح بصائرهم.