قبالة أقدم مطبعة ودار نشر في العالم (1934)، وبجوار المعمل الذي حدث فيه أول انشطار للذرة (أبريل 1932)، وإلى الخلف منا الحانة التي أُعلن فيها اكتشاف سر الحياة DNA (فبراير 1953م)، وفي جامعة كامبريدج التي يعود تاريخها إلى عام 1209م جلست على مائدة الغداء وحولي 12 جنسية على الطاولة ذاتها. وعلى مرمى البصر -في قاعة يعود تاريخها لنحو 400 عام- عشرات الرجال والنساء. سألت مضيفنا الدكتور عبدالعزيز بن صقر رئيس مركز أبحاث الخليج بكامبريدج عن جنسياتهم، فقال إنهم ينتمون إلى 84 جنسية؛ بعضهم قدم من نيوزيلندا، وأستراليا، رغم بعد المسافة.

القيادة السعودية الشابة التي أطلقت رؤية 2030، وأنا علي يقين أنها -إن شاء الله- ستطلق بعدها 2050 أو 2060 تتطلع للمستقبل المتوسط والبعيد، وهي أكثر من يقدّر الحاجة الماسة لمراكز الدراسات غير الهادفة للربح..

ما الموضوع المهم الذي اجتمعت له هذه النخب؟ إنه الخليج؛ سياسة، ومجتمعا، واقتصادا، ومشكلات أيضا. اعتدنا على الخليج، فأصبح مألوفا لا نرى فيه أهمية تميزه عن غيره على خارطة الجغرافيا السياسية العالمية. نعم، يمكن أن يزور المملكة حوالي 200 جنسية ولكن لأداء الحج والعمرة، ومن المتوقع أن يزور دبي قريبا من هذا للسياحة والتسوق، ولكن أن يحضر هذا العدد من الجنسيات من أجل ندوات ونقاشات وورش عمل أكاديمية تتناول شؤون خليجية فإن ذلك يذكرنا بأهميتنا للعالم.

العلة التي لم نجد لها تشخيصا مقنعا ولم نوصف لها علاجا ناجعا هي الفقر المزمن في مراكز الدراسات المستقلة محليا، وعزوف المؤسسات الحكومية المهتمة عن الاستفادة من أنشطة ومخرجات مراكز الدراسات والبحوث غير الهادفة للربح. ربما يعتبر بعض المسؤولين أن حضور مثل هذه المناسبات إنما هو ضرب من الرفاهية، وأنه لا لزوم له، ويرى بعض آخر أن ما يناقش ويطرح لا أثر له، وتلك وجهة نظر أتفهمها ولا أتفق معها، ولكن كيف يستقيم هذا الرأي مع حضور أشخاص من وزارات الدفاع والخارجية والأجهزة الأخرى من دول كأستراليا ونيوزلندا، وأمريكا وكندا، وأوروبا عموما؟ هل هو ترف يحرك تلك الأجهزة، أم هي وجبة دسمة من المعلومات يبحثون عنها في أي مكان كانت مهما بعد عنهم. إنهم يطاردون معلومة جديدة وتحليلات عميقة، وآراء مختلفة لا يمكن أن يجدوها في أعمدة الصحافة اليومية ولا في الهياط السطحي والساذج الذي يحتشد في شبكات التواصل الاجتماعي.

سألت أحد المشاركين من مركز بحوث في واشنطن عن سبب حرصه على الحضور فقال بأن المركز الذي يعمل فيه متعاقد مع وزارة الخارجية الأمريكية وأن هذا الملتقى يقدم له أحدث ما يمكن تقديمه للعميل. وزارة الخارجية في أمريكا وبريطانيا وغيرها لا توظف مستشارين في كل تخصص وإنما تتعاقد مع مراكز دراسات لديها مستشارين في كل تخصص مما يحقق أهدافها بكفاءة عالية وبأقل كلفة ممكنة.

تسارع الأحداث، وتصارع الآراء، وازدحام الأفق بما يقلق المسؤول وصانع القرار يتطلب الاعتماد على مراكز الدراسات والبحوث التي تقدم مادة علمية موضوعية بحتة، وتتحدث بأرقام وشواهد وتحليلات وحلول للأحداث الجارية. وهذا النوع من المراكز غير الهادفة للربح هي آمن مكان لتسوق المعرفة، على العكس من مراكز الدراسات التي تتبع جهات رسمية ومحكومة بتوجهات الرؤساء المباشرين، أو تلك الهادفة للربح التي تقدم ما يروق للعميل ليستمر التعاقد معها. مراكز الدراسات الحكومية، والربحية مهمة، ولكن بين هذه وتلك تكون مخرجات مراكز الدراسات غير الهادفة للربح أكثر موضوعية وتوازنا في المخرجات.

إذا دلّ هذا الحضور على أهمية منطقتنا للعالم من حولنا، فلعله يدفع بأهمية الاستثمار في مراكز البحوث المستقلة في داخل المملكة وخارجها. العالم يريد كل شيء يتعلق بالخليج ولكنه لا يريده من سفارة ولا من مسؤول رسمي ولا يريده من شركة علاقات عامة وإنما من مصدر يقبل النقد، وينشر المعلومة بشكل متوازن.

القيادة السعودية الشابة التي أطلقت رؤية 2030، وأنا علي يقين أنها -إن شاء الله- ستطلق بعدها 2050 أو 2060 تتطلع للمستقبل المتوسط والبعيد، وهي أكثر من يقدّر الحاجة الماسة لمراكز الدراسات غير الهادفة للربح، ولديها المرونة لتحمل حيادية الرأي وإن تضمن نقدا عاقلا ليس صادرا من جهة أو شخص يناصب بلادنا العداء.