كانت مجلة «الهلال» المصرية قد اتهمت الأديب الكبير امين الريحاني بأنه «جاسوس أميركي»، دون أن تتمكن من تقديم إثباتات على جاسوسية الأديب اللبناني وقد اكدت المجلة وجود وثيقة بحوزتها تثبت تعامله مع الاميركيين ،وان صح قولها، فلم لم تنشر تلك الوثيقة حتى الآن؟

رفع أمين ألبرت الريحاني ابن شقيق الأديب دعوى قضائية ضد المجلة المذكورة ، وتم بموجب حكم مصادرة أعداد «مجلة الهلال» الموجودة في الأسواق اللبنانية.

يعدّ الاديب اللبناني الراحل امين الريحاني الذي ولد عام 1900 وتوفي عام 1940 من أهم أدباء العصر وقد افتتح متحف الريحاني في الفريكة في 4 أيلول من العام 1953، بمبادرة فريدة من شقيقه ألبرت الريحاني، وقد أعيد تجديده في العام 1986 وهو يحتل اليوم الطابق السفلي بمنزل الريحاني. في المتحف مخطوطات واعمال الاديب كافة وجميع ممتلكاته وحاجياته ومؤلفاته باللغة العربية والانكليزية، ومراسلاته، ومكتبته الخاصة والهدايا المختلفة التي تلقاها من رؤساء الدول والفنانين والعظماء. قبل ولوج عتبة المنزل المتحف تطالعنا لوحة كتب عليها: «قل كلمتك وامشِ» وهكذا فعل الريحاني الذي مشى انما بقيت كلماته في ضميرنا ، حية، نضرة، حاضرة كأنها تنتمي الى كل عصر ومكان. وفي المدخل ايضا بعض ما كتب الى الريحاني كقول المستشرق الروسي إيغناس كراتشكوفسكي من موسكو عام 1917 «لا أعتقد أن بين الكتاب العرب المعاصرين من يفهمهم الأوروبيون قدر ما يفهمون الريحاني»... الى أقوال مختارة من الكاتبة شارميون فون ديغاند - نيويورك عام 1925 : « مدينة البندقية تجعلني أفكر بك من حيث تحاب الشرق والغرب وحيث أجد بعضا من روحك»... وفي لوحة لما كتبه فيه الكاتب المصري زكي نجيب محمود، في العام 1965 نقرأ: «كان الريحاني للأمة العربية ما كان طاغور للهند وأمرسون وثور وللولايات المتحدة، وجون لوك لإنكلترا وروسو لفرنسا». كان الريحاني يعمل ليس للبنان فحسب ، بل من اجل كل البلدان العربية وذلك من خلال الرسائل الخطية التي كان يرسلها الى الولايات المتحدة الأميركية والى وزارة الخارجية والكونغرس الاميركي يناشدهم للاهتمام بالعالم العربي الذي يستحق منهم ان يدعموه ليحظى بديمقراطية واستقلال ذاتي وعن حق الشعوب بتقرير مصيرها، ويعلن متحف الريحاني انه يملك بحوزته الملف الخاص بالوثائق والمستندات المتعلقة بالرسائل التي بعثها له الارشيف الوطني الاميركي في واشنطن في اول سنة 2006 ليضمها الى المتحف والمتعلقة برحلة الريحاني الى البلدان العربية واهتمامه بقضية فلسطين واهمية الاعتراف بالمملكة العربية السعودية ابان الحرب العالمية الثانية ومنها ما كتبه الريحاني عن الحرية في نيويورك عام 1904 «متى تحولين وجهك نحو الشرق أيتها الحرية، متى يمتزج نورك بنور هذا البلد الباهر فيضيئ ظلمات كل شعب مظلوم»، ومن بين الكتابات تلك التي كتبت في جريدة الوطن الأميركية عام 1912 «اكتشف الريحاني أسلوباً أدبياً حيث يلتقي الشرق والغرب وحيث تكاد اللغتان العربية والانكليزية تجتمعان كأنهما اصابع ليد واحدة.

قسم المتحف الى أجنحة خصص كل منها لحقبة معينة من حياة امين الريحاني وانتاجه الادبي والفلسفة.

فالجناح الاول مخصص للفترة الممتدة من 1876 الى 1905 اي من تاريخ ولادته ولغاية عودته من الولايات المتحدة. وفي هذه المرحلة كتب اول مؤلفاته العربية والانكليزية منها, نبذة في الثورة الفرنسية. ومن معروضات الجناح دفاتر مذكراته ورسالة من الرئيس الاميركي السابق تيودور روزفلت.الجناح الثاني حمل عنوان سنوات خالد 1905 - 1911 في هذه الفترة عاد مجدداً الى لبنان واعتزل في قريته الفريكة وكتب «الريحانيات» (1910)، كتابه «خالد» الذي اعتبر مفتاح القرن الى الادب العربي - الاميركي. كما نجد في هذا الجناح بعضاً من خصوصيات الريحاني العصي، والغلايين، وآلة تخفيف العصبي ، بالاضافة الى الاوسمة التي حصل عليها من لبنان والمغرب وايران.

في الجناح الثالث وهو بعنوان اختبار الغرب 1911 - 1921 نجد مختارات من كتب الريحاني باللغة الانكليزية، صورة للريحاني في جريدة «نيويورك تايمز» وهي اول صورة تنشر لأديب عربي سنة 1922 الى مقالات عديدة . في جناح الحلم العربي مابين 1922 - 1928 نشر الريحاني «ملوك العرب» في 14 طبعة والذي ترجم الى لغات عديدة، وفي الجناح نفسه نجد مكتبه الخاص أو زاوية التأليف والآلة الكاتبة وقد جيء بها من نيويورك في العام 1904، وهدايا تلقاها خلال رحلته العربية أبرزها سيف من الملك فيصل ملك العراق، وسجادتان هدية من جلالة الملك عبد العزيز آل سعود. بعد الحلم العربي يأتي جناح الآفاق الدولية 1928 - 1940 في هذه الفترة ألقى الريحاني سلسلة محاضرات في الولايات المتحدة الأميركية وكندا بدعوة من منظمة السياسة الخارجية، تمحورت حول السياسة والأدب في الشرق الأوسط، كما والتقى في العام 1929 برئيس الولايات المتحدة آنذاك هيربرت هوفر وناقش معه العلاقات العربية - الأميركية.

في هذا الجناح أيضاً نجد بعضاً من مؤلفات الريحاني العربية في هذه المرحلة، والسيف الذي أهداه إياه الملك عبد العزيز آل سعود، قطعة من ستار الكعبة أهداه إياها الشريف حسين وهي لا تهدى عادة إلا لرؤساء وملوك عرب. وإذا أكملنا بمحاذاة الجناح الأخير، نجد رسوماً للريحاني بريشة فنانين عرب وأجانب رسموا الريحاني في مراحل مختلفة، ومنهم، يوسف غصوب، يوسف الحويك، حليم جرداق، جبران خليل جبران، ناظم إيراني، رضوان الشهال، مصطفى فروخ، بيار صادق... هذا بالإضافة الى رسوم بريشة الريحاني، واللافت أيضاً جمع كل الكتب والمؤلفات التي تناولت أمين الريحاني في فصل أو فصلين، الى ما كتب عنه في الصحافة الأجنبية، والمؤلفات المنشورة حوله وعددها نحو 40. بين المعروضات أيضاً نماذج من ترجمات مختلفة للريحاني باللغات التالية: البلغارية، الإسبانية، الألمانية، الروسية، الهنغارية، الإيطالية، العربية والانكليزية. وبشكل لافت وواضح علّقت صورة لزوجة الريحاني الفنانة الأميركية بيرتا كايس مع نماذج للوحاتها.

وفي آخر الرواق علّقت آخر صورة للريحاني قبل وفاته في 13 أيلول 1940 . متحف امين الريحاني يعبق برائحة الفكر والمعرفة، الديموقراطية والمساواة ،الماضي الحاضر والمستقبل .