هذا شارع كالنهر، وإن كان له من اسمه نصيب فعلاً، قبل زواله ودخوله في عمارة المسجد النبوي الشريف، حيث عليه كانت تعبر جل نعوش الموتى، من أبناء المدينة المنورة وزوارها، حتى يصل المشيعون بالمحمول على النعش إلى ما يطلق عليه "الشرشورة"، وهي مكان تجهز فيه الجثث، قبل دفنها، في بقيع الغرقد الملاصق للشرشورة، وهذا الشارع يمتد من أقصى غرب المدينة، حيث محطة سكة حديد الحجاز، وطريق آبار علي، ومن ثمة ينبع، حتى يصل إلى جدة، حتى أقصى شرق المدينة حيث العديد من القرى والمزارع، وقبل ذلك معالم لا حصر لها، كلها تشرف على "درب الجنائز"، أبرزها حارة الشونة حيث فرن الوافدة المصرية الخيرة "وحيدة"، وطاحونة الحجار ومقعد بني حسين الذي ينسب للأسرة التي كانت تحكم المدينة في حقب متعددة حتى زوال الدولة العثمانية، ثم حمام طيبة الأثري الذي يستقبل في عديد من المناسبات أهل المدينة وزوارها. وقبل هذا وذاك يشرف على هذا الشارع ما يطلق عليه أهل المدينة "الخالدية"، وهو أقدم مركز شرطة في المدينة، وكان أهل المدينة على موعد عصر كل يوم مع عرض موسيقي كان يقدمه مركز الشرطة لدقائق قبل أن تعود هذه الفرقة إلى ثكنتها خلف الخالدية، وغير بعيد عن الخالدية، هناك سوق الحبابة، وهو سوق خاص بباعة الحبوب والملح، ويتقاطع هذا الشارع مع شارع المناخة.

كنت في غبشة كل يوم أخرج من حوش الإجاوزة، أمر بالصافية، وهي مزرعة كبيرة لآل الصافي، بعدها دكان عمي محمد الصاوي، بائع الفول، والشيخ أبو عزة البقال، والذي يعالج قاصديه من أهل الحارة بقراءة القرآن عليهم مجاناً، بل إنه في كثير من الأحيان يتنازل للفقراء وأهل الحاجة عن ثمن ما يقدمه لهم من المواد الغذائية. ثم أمر بالبوابة المهيبة لحوش أغا المستسلم حيث يسكن في مدخله عمي حيدر، وتواجه هذه البوابة بلاد الاغا، مالك الحوش المذكور، هذا الحوش وهذه البلاد عالم آخر، فيهما كل العبر والقصص، كل هذه المعالم تصب في الشارع النهر "درب الجنائز" حالما أخرج من بوابة الزقاق، وأحوشته السبعة، أعبر إلى حارة "ذروان"، عن يساري قصبة الماء، وعن يميني حمام طيبة ومدخنته الرهيبة، أمر أثناء ذلك بعوالم مثيرة، كلها اندثرت، حتى أصل إلى مكتبة عارف حكمت، بقبتها ومبناها الحجري الجميل، لأصل إلى مدرستي، مدرسة العلوم الشرعية، وقد بدأت الشمس للتو تفرد أشرعتها الحادة.

ولن ينتهي الحديث عن هذا الشارع الذي تشرف عليه عديد من الأحياء والمعالم والمقاهي والخرازين والبقالين وباعة الأعلاف، لن ينتهي قبل التنويه عن طريقة تشيع الموتى في المدينة، فأهل الميت ومحبوه وجيرانه يخرجون به محمولاً على الأكتاف، وطالما الجنازة سائرة، ينضم إليها المزيد من المشيعين الذين يعرفون الميت، والذين لا يعرفونه، وكلما مرت الجنازة من أمام مكان وقف الجالسون والعابرون، إجلالاً واحتراماً، داعين للميت بالرحمة والمغفرة، كان للموت هيبة، الآن عندما يموت الشخص ينقل إلى الثلاجة، والتي كانت تقوم مقامها الشرشورة، ثم للمسجد والمقبرة، وكل ذلك بالسيارة أو الإسعاف!

سبحان الله، اسم هذا الشارع المهيب، لم يجعل الناس تفر منه أو تهجره، بالعكس كان من أكثر الشوارع اكتظاظاً وتنوعاً في المعالم التي تطل عليه، وفي حركته التجارية، التي لا تهدأ ليل نهار، حتى تمت إزالته!