دعم الإرهاب سيستمر ما ظل هناك بيئة صالحة لاستمراره، وهذا يقودنا إلى تجفيف منابعه وتحصين الداخل ضد انتشاره، فالإرهاب كالجراثيم تهاجم الأجسام الضعيفة القابلة للعدوى، أما الأجسام القوية فلديها مناعة ضد الجراثيم..

لأول مرة في تاريخ العرب الحديث تقوم أربع دول عربية بمقاطعة دولة عربية أخرى بسبب دعمها للإرهاب، ومن هذه الدول الأربع ثلاث دول هي الأكبر من حيث الاقتصاد والقوة العسكرية والسياسية، هذه الحملة ستسفر إن عاجلاً أو آجلاً عن تخلي دولة قطر عن دعم الإرهاب والإلتفات إلى وضعها الداخلي والتزاماتها الدولية ومنها استضافة كأس العالم لعام 2022 ، لكن هل يعني ذلك نهاية الإرهاب وتوقف دعمه من الخارج؟. قطر ليست سوى أداة طيعة ومصدر من مصادر تمويل الإرهاب، حيث لا قيود على أميرها السابق من قبل مؤسسات الدولة في قطر.

سيظل الإرهاب باقياً في هذه المنطقة وعلى مستوى العالم ما ظلت أسباب وجوده وجذوره موجودة، وسيجد من يموله خصوصاً في هذه المنطقة العربية المضطربة والمحاطة بثلاث قوى إقليمية لديها مطامع ورغبة في مد نفوذها على حساب الدول العربية، وأول هذه القوى هو العدو الإسرائيلي الذي يرى قوته في إضعاف الدول العربية الكبيرة والقريبة منه، وقد قرأت في مواقع التواصل الاجتماعي ولا أعلم مدى صحتها وهو أن بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل قال: قوتنا ليس في سلاحنا النووي، بل في تدمير وتفتيت الدول العربية الكبيرة المحيطة بنا، وحتى وإن لم يثبت أنه قاله، فالشواهد تؤيد ذلك، خصوصاً في العراق وسورية، أما الدولة الثانية التي ستظل تدعم الإرهاب وتمده بالسلاح والرجال إلى أن يأتي ربيع يجتث ملاليها فهي إيران التي دأبت ومنذ قيام الثورة الخمينية على زعزعة الأمن داخل الدول العربية ما وجدت إلى ذلك سبيلا، أضف إلى ذلك شركات تصنيع السلاح في الغرب والتي تحظى بنفوذ كبير لدى الحكومات الغربية ومن مصلحتها إبقاء الصراع في المنطقة ليستمر استنزاف مقدرات الدول العربية الغنية وعقد صفقات الأسلحة وخاصة الطائرات المقاتلة وذخائرها المكلفة للغاية.

إن دعم الإرهاب سيستمر ما ظل هناك بيئة صالحة لاستمراره، وهذا يقودنا إلى تجفيف منابعه وتحصين الداخل ضد انتشاره، فالإرهاب كالجراثيم تهاجم الأجسام الضعيفة القابلة للعدوى، أما الأجسام القوية فلديها مناعة ضد الجراثيم، ومن هنا أرى أن على الدول الأربع القيام بالخطوات الآتية:أولاً. من أهم وزراء الدول الأربع الذين يجب أن يجتمعوا وينسقوا مواقفهم حتى بعد انتهاء الأزمة القطرية هم وزراء التربية والتعليم، فالتعليم هو خط الدفاع الأول ضد التطرف، وأهم الوسائل لتجفيف منابع الإرهاب، وهذا يتطلب أن تقوم هذه الدول بالتعاون فيما بينها لإصلاح نظام التعليم بحيث يتم التركيز على التعليم المبكر ومنه رياض الأطفال لوضع الأسس للتعليم الحديث وتحصين الطلبة ضد التطرف والغلو في وقت مبكر، وتأسيس مفهوم التسامح بوصفه قيمة إنسانية لا يمكن أن يتقدم المجتمع ويتعايش أفراده مع العالم إلا بها، وتستمر عجلة التطوير حتى المراحل الجامعية بحيث يتم الاهتمام بالتفكير العقلاني الناقد الكفيل بدحر التطرف المغذي للإرهاب، وتنشئة مواطنين صالحين منتجين.

ثانياً. الفقر والأمية من أهم البيئات الحاضنة للإرهاب، والفساد من أهم أسباب وجودهما في الوطن العربي، إضافة إلى الاستبداد السياسي، وكل الدول العربية غير المستقرة ومنها العراق وسورية وليبيا واليمن كان على رأس الحكم فيها رئيس مستبد وفساد مستشرٍ مما أنتج أكثرية معدمة وثروات تبدد في مغامرات غير مدروسة. مكافحة الفساد في هذه الدول الأربع سيجعلها قدوة لغيرها من الدول العربية وسيضعها على الطريق الصحيح للنهوض بالاقتصاد، وهذا يتطلب أن تصبح مكافحته وتعزيز الشفافية في سلم أولوياتها، فلا اقتصاد قوياً، ولا مشاريع ناجحة ولا علاج للبطالة إلا بمحاربة الفساد وحسن اختيار القادة الأمناء الشجعان على رأس كل مؤسسة.

المملكة العربية السعودية بما لها من مكانة روحية واقتصادية وسياسية، ومصر بما لها من حضور عربي وكثافة سكانية وريادة في مجال النهضة، والإمارات والبحرين بما لهما من دور تنويري وبرامج سياحية وثقافية ناجحة يمكن أن تؤسس لنهضة عربية شاملة أساسها الأخذ بما أخذت به الدول التي وصلت إلى العالم الأول ومن أهمها التركيز على التعليم وبناء دولة المؤسسات ومراكز الأبحاث، ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة في التنمية وبناء الإنسان.