إن أخطر النتائج هي التي تتمخض عن ذلك التناقض بين تلك المفاهيم التي تلصق بالدين وبين العلم واكتشافاته هو إثارة الشك، ليس بتلك الجهالات وهي تستحق النبذ والفضح، وانما بالدين نفسه، وهنا يكمن الخطر، خاصة على اولئك الذين تعوزهم قدرات البحث والقراءة والاكتشاف..

يختلف الناس في قدراتهم على فحص ما يقدم لهم من أفكار. والغالب الأعم يتقبلها كما هي خاصة إذا جاءت من شيخ أو فقيه.. وعندما تكون تلك الافكار أو الرؤى أو التوجهات مصادمة للعلم والعقل.. فإنها قد تحدث بلبلة في عقول لا تسلم من الاضطرابات أو ما تتوقف عنده مترددة متشككة غير قادرة على التجاوب معه أو رفضه.. مما يزرع بذرة الشك ويعظم حالة القلق والتردد.

يقول الدكتور مصطفى محمود رحمه الله: " الجميع يعرف قصة مرحلة الشك، وكيف عبرت من الشك الى اليقين، ولكن الذي لا يعلمه احد، أن امام مسجد هو من زرع بداخلي بذرة الشك الأولى في العقيدة.. فقد كنت منذ صباي أشعر بقلبي وعقلي يتجهان إلى الدين بكل حواسي ومشاعري.. أصلي الفروض جميعها في المساجد واستمع بإنصات واهتمام شديدين للائمة والشيوخ والدعاة.. وكنت اتردد في هذه الفترة على مسجد وضريح سيدي عز الرجال، الموجود في طنطا مع مجموعة كبيرة من اصدقائي، نصلي الفروض والسنن ونستمع الى وعظ شيخ الجامع.. الشيخ محمود، الذي كان يمثل لي قيمة كبيرة، لم يتساو معها أي شخص في تلك الفترة، ولهذا كنت أدون كل ما يقوله..

الى أن جاء يوم وقال لنا الشيخ محمود (شوفوا ياولاد .. انا سأقول لكم على طريقة تقضون فيها على الصراصير والحشرات الضارة في المنزل، وهي طريقة دينية عظيمة جدا، وكل واحد يفتح الكراسة، وسوف أملي عليكم هذه الطريقة العظيمة..) وأخذ يملي علينا كلاما، عبارة عن مزيج من الآيات والطلاسم، ثم قال لنا ألصقوا هذه الورقة على الحائط، وسوف تكتشفون بأن الصراصير سوف تموت موتا شنيعا.. وبالطبع فقد فرحت من كل قلبي، لأنني كنت على استعداد لتصديق كل ما يقول.. وكتبت كل ما قاله بالحرف الواحد، ولصقته باهتمام شديد على الحائط وجلست منتظرا النتيجة. لكن خاب ظني، وأصبت باحباط شديد، فقد تزايدت الصراصير، وأصبحت اضعاف ما كانت قبل طريقة الشيخ، بل الادهى من هذا ان الصراصير اتخذت من الورقة التي اخبرني بها الشيخ ملجأ لها.. ومن يومها احسست أن الرجل نصاب كبير، وبدات أشك في كل شيء ليس من الشيخ وحده ولكن في كل من حولي، وكانت هذه بذرة الشك التي زرعت في نفسي وقد زرعها الشيخ محمود..."

قصة الشك عند مصطفى محمود مرتبطه بتكوينه الفكري .. فابن الخامسة عشرة ليس بالضرورة ان يكون تعبيرا عن كل أقرانه حينذاك.. إلا ان الفكرة أن جهالة شيخ أودت بعقل صبي لدرجة الشك والقلق، وقد جاهد مصطفى محمود طويلا للخلوص للايمان القوى والواثق بالله. ولو تأملنا في هذه القصة سنجد ان شيخا واعظا هو الذي قاده للشك لانه تحدث بجهل وخطأ ولأنه قال شيئا لا يمت للدين بصلة والصقه بالدين وتلقفته عقول صغيرة..

ولو توسعنا في هذا الاطار لوجدنا ان من يبذر بذور الشك بجهل وإدعاء لوجدنا الكثير من الامثلة على هذا .. وهي تورد احيانا البعض الى الشك في مصدر هؤلاء، خاصة لاولئك الذين لا يملكون الأدوات الكافية للتحقق والاكتشاف والتمييز بين صحيح الدين وإدعاء المدعين..

وكم من جهل أو تجهيل قاد لكوارث دفع الناس ثمنها.. ناهيك انه ساهم في حملات مركزة على الدين باعتباره تجهيلا وتكريسا للتخلف وتناقضا مع العلم الثابت بالدليل والتجربة والمشاهدة.

وفي مثال آخر نال من مجتمعنا كثيرا باسم الرقية لطرد الجان من اجساد المرضى، تطورت هذه المهنة لتزرع المرض المزمن في قلوب وعقول واجساد مصابين بامراض نفسية كان بالإمكان علاجها بوسائل وأدوية وطرق علمية جربت واختبرت واعطت نتائج مذهلة على صعيد الطب والعلاج والدواء.

فبعد اكثر من عشرين عاما هاهو اكبر شيخ، كان ملء السمع والبصر يوما ما في علاج تلبس الجن بالانس يعترف بأن كل ما رآه وشاهده وعالجه لم يكن اكثر من امراض نفسيه تحتاج طبيبا نفسيا ولا علاقة لها بتلبس الجان بالانسان.

يقول الشيخ علي العمري بحسب ما أوردت صحيفة "عكاظ"  أن تلبس الجن للإنس غير صحيح، وأن الجن لا ينطق بلسان الإنسان برغم أنه عُرف في العقدين الماضيين - أي قبل اعتزاله - كأشهر من يخرجون الجن من أحشاء الإنسان. وأن الشيخ العمري وثق اعترافاته معتزلا مهنته كراق شرعي شهير ظل يعالج مرضاه طوال السنين الماضية. وصدح قائلا: "هل الجن مغفل حتى لا يمس إلا السذج والمغفلين".

لكن أقوال العمري لم تمر هكذا دون حملة مضادة من العاملين في حقل الرقية الذين أكدوا صحة تلبس الجان بالإنس طبقا لأقوال الفقهاء. وقد رد الراقي المعتزل على منتقديه مطالبا المرضى مراجعة الأطباء النفسيين، لأن ما يحدث لهم من أعراض ربما انفصام في الشخصية لا جان يتحدث بألسنتهم.

إن أخطر النتائج لما يتمخض عنه ذلك التناقض بين تلك المفاهيم التي تلصق بالدين وبين العلم واكتشافاته هو إثارة الشك، ليس بتلك الجهالات وهي تستحق النبذ والفضح، وانما بالدين نفسه، وهنا يكمن الخطر، خاصة على اولئك الذين تعوزهم قدرات البحث والقراءة والاكتشاف.. أو ممن يقولب معايير الخيرية والحق فلا يراها إلا تجسيدا في عالم دين أو فقيه.

وقس على ذلك التناقض بين تعاليم وقيم الدين الحق التي يدعو لها من العدل والكرامة والحقوق والتعفف والترفع عن السفاسف واسترخاص الدنيا.. وبين ممارسات محسوبة على بعض من يدعون بالعلماء والفقهاء.. مما يورث صدمة لدى البعض أو يُمرر هذا باعتباره أمرا طبيعيا ومقبولا.. مما يعظم صناعة النماذج المشوهة..