"هدف الحياة ليس اكتشاف النفس والعثور عليها ولكن الهدف هو إيجادها”

(جورج برنارد شو).

مازال العيب الاجتماعي والخوف يلاحق بعض الأسر التي يكون أحد أفرادها مصابا بمرض نفسي أو عقلي يجعلها في حالة تأهب لأي هجوم من المجتمع حتى لا يوصم بالجنون وحتى لا تبور بضاعتهم من البنات, طبعا هذه النظرة نسبية تختلف حسب طبيعة المجتمع وثقافته وعلاقة أفراد بعضهم بعضا, إلا أن مجتمعنا السعودي الذي مازال يغلب عليه الخوف من نظرة المجتمع وأقاويله, مازال يحتاج إلى زمن طويل ليعرف كيف يتعامل مع المريض النفسي والعقلي, والأهم أن يعي أنه مرض مثله مثل الأمراض المزمنة التي نحتاج للتعامل معها وإدارتها طوال العمر, ولكن كعادتنا في إخفاء الداء نتجاهله ولا نعترف به حتى يتمكن منا ويقضي علينا. والسؤال، المسؤولية تقع على من؟ من وجهة نظري أن من يتحمل مسؤولية المريض النفسي ليس الأسرة وحدها بل المجتمع, كذلك الجهات الحكومية ذات العلاقة.

لنبدأ في الأسرة التي هي الملاذ الآمن للمريض وعندما يأتي الرفض من الأسرة تصبح الحياة جحيما فوق جحيم, يعيش المريض بين أروقة المنزل وهو إنسان يتحرك أمامك لا يعاني من عيوب خلقية قد يكون قوي البنية, وبعضهم حساس جدا إلا أن إهمالنا له وعدم التواصل معه في المنزل يجعله ينكفئ على نفسه ويعيش عالمه الذي من وجهة نظري عالم جميل أجمل من عالم الأصحاء, إلا أن هناك حالات يتم فيها الإهمال الشديد من الأسرة للمريض إما عدم وعي وجهل بطبيعة مرضه أو لأنه يشكل عبئا على كاهل الأسرة فمع كل ضغط من ضغوط الحياة يُصب جام غضب الأسرة وأخطاؤها على هذا المريض, فيتعرض المريض للعنف الأسري إما من ناحية الإهمال أو العنف اللفظي أو الجسدي "الضرب".

فبعض الأسر إذا تواجد مريض نفسي/ عقلي في منزلهم لا يوجهون أطفالهم الأصحاء لكيفية التعامل معه فيصبح هذا المريض هو اللعبة المحببة للأطفال إما أن يضربوه أو ينادوه بألفاظ تخرج من الإنسانية كما السهم "يا مهبول" "يا خبل", ناهيك عن أن يكون المريض أنثى فسوف تتشظى في مرابع البؤس..! أما المجتمع فدوره نشر الوعي, واحتواء المريض وتقبله كحالة إنسانية, أما الجهات الحكومية ذات العلاقة فمازال مفهوم التعامل مع المريض النفسي ملفه مغلقا, هذا المريض غالباً ما يكون عبئا على أسرته, فلا يوجد مصحات كافية لاستضافة المرضى النفسيين, ولا أرى أي استثمار من رجال الأعمال في هذا المجال, فهناك تجارب في مصر لمصحات نفسية أتمنى استنساخ التجربة وتوطينها, فعندما يكون لديك مريض نفسي تتمنى توفير بيئة صحية مناسبة مع عناية طبية, وتكون إقامة شبه دائمة للمريض, لذلك نحتاج مصحات تعنى بهذه الفئة من أبنائنا وبناتنا, أماكن نطمئن عليهم فيها, وتكون سكناً لهم تحت إشراف وزارة الصحة. فكلنا هذا المريض الذي يعاني وأسرته التي ليس لها ذنب في مرضه, متى نحل مشاكلنا الاجتماعية بشكل حضاري إنساني؟