يرسل الكاتب الشاب نصه الأول لكاتبه المفضل، وينتظر نصائحه قبل أن يشق طريقه في عالم الكتابة، وقبل هذه الخطوة الجبّارة يكون ولع الشاب الموهوب بكاتبه فائق الوصف، إلى أن يلاقي اللامبالاة التي لم يكن يتوقعها منه.

لا رد يصله من الكاتب الكبير، لا نصائح ولا نقد ولا انتقاد، فقط كثير من الصمت الذي ينقص من عزيمته، في أحيان أخرى يتفاجأ الكاتب الشاب بأمور يصعب تخيلها، فالكاتب العظيم عظمة أبي الهول قد يسرق بعض أفكاره من مخطوطه وينثرها في مقال أو رواية جديدة... حدث هذا ويحدث، ولهذا أصر على تقديم نصيحة واحدة للكتاب الشباب، وهو أن لا يلجؤوا للكتاب الكبار للأخذ بآرائهم.

لا لأن الكتاب الكبار كلهم سيئون بل لأن أمزجتهم تختلف، وأذواقهم كذلك وخوفهم من المواهب الجديدة أيضا يتباين بين كاتب وآخر، هناك من ينقض على الموهبة التي أمامه ويدفنها حيّة، لأسباب تعود لغريزة البقاء الحيوانية التي لم يهذبها الأدب في نفس الأديب..!

لا يوجد إنسان كامل، وهذه قاعدة تنطبق على الكُتَّاب والمبدعين والمشاهير أيضا، بل إن بروز بعضهم وبلوغهم قمّة الشهرة يأتي بعد مسيرة كاملة من تدمير الكثيرين والتي تشبه إلى حدّ ما مسيرة محدلة على منحدر، وقولي هذا يعرفه كل من عايش هذه الأوساط، التي يكثر فيها النفاق والغش والتنافس غير الشريف، وقلة يثبتون أمام مغريات وهمية تجعلهم يتحوّلون إلى وحوش.

والعمل؟؟؟ تتساءلون... العمل يا صديقي الكاتب الموهوب، ابحث عن قارئ جيد يتعاطى الأدب في محيط أصدقائك، قارئ لديه ذائقة رفيعة وأعطه مخطوطك واسمع ملاحظاته، وليكن قارئك السري الذي تعتمده ولا تفكر أبدا في تسلق "الأهرامات" والبحث عن رأي فلان وعلاّن فهؤلاء هم منافسوك في المستقبل إن أصبحت كاتبا. الخطوة الثانية هي البحث عن دار نشر، وهنا يجب أن يكون نفسك طويلا، فطالما أن اسمك غير معروف فإن مهمة إيجاد ناشر ستكون مهمة شبه مستحيلة، ومع هذا هناك أبواب تنفذ من خلالها.

في دور النشر الغربية هناك لجان قراءة تتكفل بقراءة الأعمال التي تصلها، لكننا نعلم جميعا أن دور النشر العربية لا تملك لجان قراءة، لكنّها تقلّب في الأسماء المعروفة وتعرض خدماتها عليها وتحاول قدر المستطاع استقطابها، كما تنشر كتبا قديمة لا رقيب عليها ولا حقوق مؤلف لتحقق أرباحا خاصة بها فقط، أما الأعمال الأولى التي تصلها فتنشر حسب الحظ، هناك مخطوطات لا تستحق النشر ولكن مؤلفيها يدفعون مبالغ كبيرة لنشرها، وهناك دور يعتمد أصحابها على قراءة ما يصلها بأنفسهم وهم قلة.

الكاتب ياسمينة خضرا، الذي رفضت مخطوطاته على مدى سنوات لم ييأس، مع أنّه كان يحرق كل مخطوط مرفوض ويعاود الكتابة من جديد، ترك لنا مقولة مهمة في هذا الموضوع: "إذا كنا نحب الأدب فيجب أن نعطي لأنفسنا الوقت لنجد طريقنا، وأن نستمر بالكتابة دون أن نغش القارئ حينها سنجد ناشرا". أقول هذا وقد عشت كل هذه التجارب.