هو الإمام البكَّاء، إمام الحرم المكي الشيخ عبدالله بن محمد الخليفي المولود عام 1333هـ في مدينة البكيرية بمنطقة القصيم، نشأ الشيخ -رحمه الله- نشأة دينية؛ حيث كان والده إماماً وعالمًا ومقرئاً حريصاً على تربيته تربية دينية فأتم حفظ القران الكريم، وهو في الخامسة عشرة من عمره على يد والده وتلقى عليه كذلك مبادئ التوحيد والحديث وبعض المسائل الفقهية.

كما طلب الشيخ الخليفي العلم على يد علماء أجلاء منهم الشيخ محمد بن مقبل، والشيخ عبدالعزيز بن سبيّل، ‏وسماحة الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ، والشيخ سعد وقاص البخاري العالم ‏المعروف في التجويد.

وكان الشيخ عبدالله الخليفي شيخاً وقوراً عليه سمة الصالحين، تعلوه المهابة وتحفه ‏السكينة، متواضعاً كريماً محبوباً، دمث الأخلاق، جميل الألفاظ، رقيق الإحساس، ‏بكاء بالقرآن تغلبه العبرة، شديد التأثر والتأثير يَبكي ويُبكي، تشهد له جنبات و‏أروقة المسجد الحرام، كم بكى وكم أبكى فيها من أنفس مؤمنة وأرواح طاهرة.

دماثة الخلق

عُرف الشيخ عبدالله الخليفي بدماثة الخلق وحسن التعامل مع الجميع ومع الجيران ‏بالخصوص ومع أبنائه، كانت علاقته مع الناس أكثر من رائعة، كان يبني العلاقة ‏على الحديث النبوي: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"، حتى خادمه ‏الباكستاني بقي معه (18) عاماً، وشهد له بالخير وكان يرافقه للذهاب في الصلاة، ‏كما كان الشيخ يولي شباب الأمة اهتماماً كبيراً ويخصهم بمزيد عناية ورعاية، ‏داخل المملكة وخارجها وكان كثير الدعاء لهم، خاصةً في شهر رمضان، بأن ‏يحميهم الله من الانحراف.‏

تربوي رائد

وكان الشيخ عبدالله بن محمد الخليفي، رجلاً تربوياً أفنى كثيراً من عمره وعلمه في التعليم والتأليف، وبدأ التدريس معلماً رائداً وتربوياً نادراً مساهماً في التربية والتعليم في المدراس التابعة لوزارة المعارف، وكانت البداية في ثانوية العزيزة عام 1372هـ، حيث قام بتدريس العلوم الشرعية، ثم عين مديراً لمدرسة العزيزة الابتدائية، ثم في عام 1380هـ تولى إدارة مدرسة حراء الابتدائية الجديدة عند إنشائها، فهذه المدرسة بدأت مع الشيخ الخليفي، وشهدت ريادته.

المعلم القدوة

ويذكر بعض المعلمين في تلك المدرسة الآن، ممن درسوا على يد الشيخ الخليفي، وصاروا معلمين، أن الشيخ كان مثالاً للمعلم القدوة، حيث كان يعطف عليهم، ويستقبل الطلاب صغار السن بالبسكويت يوزعه عليهم، كما كان يعامل المعلمين والطلاب كأبناء له، فقد كان معلماً ومربياً وعالماً وقوراً.

حوائج الفقراء

وكان الشيخ عبدالله الخليفي يحصر الأيتام والفقراء مرتين في السنة، مرة في شهر رمضان، ومرة في بداية السنة الدراسية، ويقدم لهم معونات مالية، يسلمها للطلاب وكذلك يمنحهم الملابس الثقيلة في الشتاء وكسوة العيدين ويقضى حوائجهم، وكان يعتبر المدرسة بيته الثاني، فهو مدير لها منذ نشأتها والتي مضى عليها الآن (58) عاما، وأجمع المعلمون على أنه -رحمه الله- كان نعم المدير والمسؤول والقدوة، وشرفت المدرسة بتوليه إدارتها، قامةً وعلماً.

إمام الملوك

وكان الشيخ عبدالله الخليفي إمام الحرم، على صلة بالعلماء وولاة الأمر يجلونه ويعرفون قدره، وكان له السبق في أن أمَّ الناس وبينهم خمسة ملوك، فقد ذكر الشيخ لابنه انه أمَّ الناس في عهد الملك عبدالعزيز في موسم الحج وكان الملك عبدالعزيز حاضراً، ثم أمَّ الناس في عهد الملك سعود وكان حاضراً، والملك فيصل، وكان إماماً عنده في قصره، كما أمَّ الناس مع الملك خالد والملك فهد -رحمهم الله جميعاً-.

علاقته بالملك فهد

وتحدث ابنه عبدالرحمن عن علاقة الشيخ الخليفي بالملك فهد، حيث كان يزوره بين الحين والآخر، وكان الملك يُسر كثيراً بتلك الزيارة، ويُجلس الشيخ بجانبه ويتبادل معه الحديث ويسأله الملك عن أحوال المسلمين.

اهتمامه بالشباب

وفي إحدى المقابلات التي أجريت مع الشيخ عبدالله ‏الخليفي، قال: إنه يركز على الشباب لأنهم عماد المجتمع، فبهم يصلح المجتمع والعكس، كما لم تكن اهتماماته بمعزل عن قضايا الأمة الإسلامية، كان يدعو للبوسنة والهرسك، ويتضرع إلى الله، كذلك في المجالس، والبكاء لحالهم، وكلما كانت تذاع أخبار عنهم، كان يتأثر ويظهر ذلك في دعائه لهم بالحرم المكي في دعاء القنوت.

الدين المعاملة

ويقول معاصرو الشيخ عبدالله الخليفي في مدرسة حراء: إن مفهوم "الدين المعاملة" تمثل في الشيخ، أثناء وجوده في المدرسة، وكانوا يفخرون بكون مديرهم هو الشيخ، والذي كان قد حصل على شهادة كفاءة المعلمين من وزارة المعارف، كما أنه حاصل على شهادة التجويد في القراءات ولديه إجازة التدريس في المسجد الحرام.

إمامة المصلين

وبدأت علاقة الشيخ عبدالله الخليفي بالإمامة في المسجد التحتي بالبكيرية وكان أول مسجد في المدينة في ذلك الوقت، ثم أصبح إماماً للتراويح والقيام في مسجد المدينة وهو مسجد يقع في إحدى المزارع، وبعد أن انتهى من طلب العلم على المشايخ، ذاع صيته بين أبناء المنطقة، فذكر ذلك بعض المقربين للأمير فيصل بن عبدالعزيز فأمر باستدعائه للصلاة معه كإمام خاص به في مدينة الطائف، وكان ذلك حوالي سنة 1365 هـ واستمر إماماً عنده لمدة سنتين.

لقاؤه بالملك فيصل

ويروي ابن عم الشيخ الخليفي، ويدعى إبراهيم، والذي رافقه في الرحلة إلى الحجاز لمقابلة الملك فيصل -وكان أميراً حينها-، أنه عندما طلب الأمير فيصل الشيخ الخليفي عنده، سافر معه في "‏لوري"، وكان الشيخ هو من قاد السيارة لمدة ثلاثة أيام حتى وصلوا مكة المكرمة، وأديا العمرة، ثم توجها للطائف، حيث تم استقبالهم بشكل ‏جيد، من قبل المسؤولين، وأسكنوهم في أحد البيوت، وبعد يومين جلسوا مع الأمير فيصل -رحمه الله-، وكان ذلك عام 1363هـ.

إمامة الحرم المكي

كما أعجب مفتي المملكة سماحة الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ بصوت الشيخ عبدالله الخليفي،‏ فطلبه ليكون إماماً مساعداً للشيخ عبدالظاهر أبو السمح في المسجد الحرام، فانتقل الخليفي إلى المسجد الحرام إماماً مساعداً للشيخ عبدالظاهر أبو السمح، واستمر في ذلك إلى أن توفي الشيخ أبو السمح وأصبح الخليفي إماماً رسمياً للمسجد الحرام عام 1373هـ، حيث كان يصلي بالناس الفروض الخمسة والجمعة والتراويح طوال السنوات العشر التي تلت وفاة الشيخ أبو السمح.

وبعد ذلك ولتزايد عدد أئمة المسجد الحرام، أصبح الشيخ عبدالله الخليفي، يؤم الناس في صلاتي العصر والمغرب، ثم أصبح يؤم الناس في صلاة المغرب فقط، إلى أن توفي، وهكذا قضى في إمامة المسجد الحرام ما يربو على أربعين عاماً وعرف خلالها بـ "الإمام البكاء"‏، غير عشر سنوات قبلها، مساعداً للشيخ أبو السمح.

مجالات دعوية عديدة

وساهم الشيخ عبدالله الخليفي في مجالات دعوية شتى منها الخطابة والتدريس في المسجد الحرام، وينسب له أنه أول من جمع المصلين على صلاة التهجد في العشر الأواخر من رمضان خلفه، بعد أن كانت تصلى فرادى أو في جماعات صغيرة في الحرم المكي، وقد بدأها بعدد يسير من المصلين في حصوة باب السلام، فتزايد عدد المصلين يوماً بعد يوم، وازدادت الصفوف حتى بلغت أطراف المسجد الحرام.

مشاركاته الإعلامية

وكان للشيخ عبدالله الخليفي مشاركات إذاعية، وعلى الأخص في إذاعة نداء الإسلام من خلال برنامج "دروس في الفقه الإسلامي"، استفاد منه كثير من طلاب العلم، ‏وله مصحف مرتل بصوته يذاع من خلال إذاعة القرآن الكريم حتى يومنا هذا، كما أنه أثرى المكتبة الإسلامية بمجموعة من الكتب منها "إرشاد المسترشد في مذهب الإمام أحمد"، و"القول المبين في رد بدع المبتدعين"، و"المسائل النافعة"، و"فضل الإسلام"، و"خطب الجمع في المسجد الحرام"، ودواء القلوب والأبدان من وساوس الشيطان"، و"المعاملات الربوية".

وكانت علاقة الشيخ الخليفي بالإعلام متميزة، فكان يعلم وينصح ويوجه ويعظ، وكان ممن يؤمنون بأن الإعلام له تأثير قوي وفعال في إثارة القضايا وحلها، كما كان له مشاركات فاعلة في العديد من وسائل الإعلام، كالمقال الأسبوعي في جريدة "عكاظ"، فكان يتناول الجوانب الاجتماعية، كما كانت له مقالات في "المجلة العربية" أثنى عليها الكثيرون ثناء عطراً.

صوته العذب

كان صوت إمام الحرم الشيخ عبدالله الخليفي، رحمه الله، يخترق جمود القلوب ويجلو صدأها، ويحرك في مكنوناتها أحاسيس اللجوء إلى بارئها الكريم، كل ذلك عندما يصطفون وراءه يستمعون إلى القرآن، وإلى النشيج والأزيز فتخشع قلوبهم لذكر الله، كما وصف مؤذن مسجد الشيخ الخليفي الشيخ بأنه له صوت مؤثر، وكانت صلاته خفيفة، وكان إنساناً محباً، خادماً للقرآن.

ساعات أخيرة

أما عن الساعات الأخيرة في حياته -رحمه الله- فيقول عنها ابنه عبدالرحمن: إنه كان مع والده الشيخ الخليفي -رحمه الله- في منطقة الردف بالطائف من بعد عصر يوم الاثنين الموافق للثامن والعشرين من شهر صفر من العام 1414هـ وكانت حالة الوالد طبيعية، ولا يشكو من أي أمراض أو أعراض، فأرسله إلى السوق القريب لإحضار بعض المستلزمات، وعندما عاد إليه وجده مجهداً، فطلب الابن من الشيخ أن يذهب معه إلى المستشفى أو أن يحضر له طبيباً، فرفض، وطلب منه أن يضع له فراشاً كي يرتاح قليلاً، وبالفعل ارتاح لمدة نصف ساعة، ولما زاد عليه التعب، وافق على مضض الذهاب للمستشفى، وجدد وضوءه، وركب معه في السيارة.

ويضيف الابن عبدالرحمن أنه في الطريق عاود الإجهاد الشيخ الخليفي، وكان أثناء ذلك يقرأ ورده اليومي بصوت خافت، حيث كان حريصاً عليه، وكان الموقف صعباً، للقلق على الوالد، لأنه كان بصحته ولا يشكو من شيء، إلاّ ‏أنه كان معه في السيارة في حالة تعب شديد ويتألم تألماً كبيراً، وكان الابن يقود ‏بسرعة، وينظر إليه تارة وإلى الطريق تارة أخرى، وكان خائفاً على والده، فأوصله ‏لمستشفى الملك فيصل بالطائف، واستدعى الأطباء، وبالفعل فحص الأطباء الشيخ، ثم أخبروا الابن عبدالرحمن أن الشيخ توفي وهو في السيارة قبل وصوله المستشفى، أي قبل أذان المغرب وهو وقت طالما تأهب فيه للصلاة بجموع المسلمين في الحرم.

الصلاة عليه

وفي اليوم التالي الموافق الثلاثاء صُلي على الشيخ عبدالله الخليفي، بعد صلاة العصر بالمسجد الحرام عند باب الكعبة المشرفة وتحت أعتابها في مكان صلى هو فيه بالناس إماماً ما يقارب الخمسين عاماً، وتقدم المصلين الأمراء والعلماء والمشايخ، وجموع الناس وصلى عليه الشيخ محمد السبيل، كما ‏كانت لوفاته ولفراقه الحرم تأثيرٌ على الأئمة الذين خلفوه في الصلاة، كما حدث أن بكى الشيخ ‏سعود الشريم في اليوم الذي تلا وفاته، وتأثر تأثراً كبيراً أثناء إمامة الناس في الصلاة بالحرم المكي، ودفن الراحل بمقبرة العدل، وصلى عليه مرة أخرى من لم يتمكن من حضور صلاة الجنازة في المسجد الحرام.

رثاء الشريم

ورثاه الشيخ سعود الشريم في أبيات شعرية‎ :‎

فعزاؤنا للعلم بل ولأهله

في موت شيخ مخلص متفاني

أمضى حياة العلم بين خطابة

وصلاة يوم الختم بالقرآن

يا سامعا عن حلمه وصفائه

اسمع مقالة صاحب العرفان

الحلم حلم واسع وبراعة

في كسب الواجم الغضبان

كرم وحسن ضيافة وحفاوة

وهبت له من ربنا الرحمن

أما لسان الشيخ فهو مبرأ

من غيبة الأصحاب والإخوان

لله درك من إمام خاشع

لله درك من إمام زمان

رحم الله الشيخ عبدالله الخليفي، وأسكنه فسيح جناته، جزاءً ما قدم من قراءة كتابه الكريم، الذي طالما أبكى المصلين وأشجن العابدين، ولما بذله -رحمه الله- من علم نافع وعمل صالح نرجو أن يكون ذخراً له في يوم المعاد.

ولد الشيخ عبدالله الخليفي عام 1333هـ في مدينة البكيرية بمنطقة القصيم
عذوبة الصوت كانت تميّز الشيخ عبدالله الخليفي
كان الشيخ عبدالله الخليفي يركز على الشباب لأنهم عماد المجتمع
عُرف عن الشيخ الخليفي دماثة الخلق وحسن التعامل مع الجميع
يعتبر أول من جمع المصلين على صلاة التهجد في العشر الأواخر من رمضان
أصبح الشيخ الخليفي إماماً رسمياً للمسجد الحرام عام 1373هـ
إعداد - منصور العساف