في كل مرّة أسلك ذلك الطريق الذي ينحرف بمقدار 90 درجة ليتوسط بيوت القرية فيقسمها إلى نصفين ويتسبب في الوقت ذاته بحصول مئات الحوادث وموت العشرات من المسافرين كل عام، حينها أتذكر قانون ميرفي الشهير: If things can go wrong it will” وترجمتي له ‘"ذا كان هناك مجال للخطأ فسيقع لا محالة" وقد ترجم أيضا: "الأمور تجنح للخطأ".

تذكرت ذلك الطريق وذلك القانون وأنا أفكر في الطريق الذي سلكته قطر منذ أكثر من عشرين عاما، وجعلتنا نعيش أزمة تعصف بالمنطقة وفي مجلس التعاون الخليجي بصفة خاصة، فمن يتتبع بداياتها يجد أنها بدأت منذ إقصاء الابن حمد لأبيه خليفة عن الحكم، ثم انفراده بالسلطة دون وجود نظام مؤسسي ودون فصل السلطات الثلاث وهي التنفيذية والتشريعية والقضائية مع غياب السلطة الرابعة وهي الصحافة الحرة الناقدة، وهنا أتذكر تلك الحكمة الصينية التي تقول "عشرة شياطين يراقب بعضهم بعضاً خير من ملاك لا يراقبه أحد" فكيف إذا كان الحاكم مؤدلجا وتحت تصرفه ثروة هائلة، فقطر تستحوذ على 32% من صادرات الغاز المسال في السوق العالمي، وهو ما جعل الدخل يرتفع من عشرات البلايين سنوياً إلى مئاتها، وذهب جزء كبير من تلك الثروات إلى مغامرات ومؤامرات ودسائس مصدرها فكر مؤدلج وحقد على دول مجاورة، كان أشدها تدميراً هو ما حصل بعد الربيع العربي في كل من تونس وليبيا ومصر واليمن سواء بإمداد حزب معين معروف بتطرفه بالسلاح والذخائر كما حصل في ليبيا وسورية، أو بالمال كما حصل في مصر لدعم حكومة مرسي، أو دعم حزب الإصلاح في اليمن لخلط الأوراق وعدم إنجاح الحوار.

من يتتبع معظم نكبات العالم يجد أن وراءها حاكماً مؤدلجا دينياً أو قومياً ينفرد بالسلطة، وعادة يبدأ بإصلاحات كبيرة ووعود كثيرة، ومؤسسة إعلامية قوية تعظم منجزاته وتبرر أخطاءه وقبضة حديدية تسكت كل منتقديه ومعارضيه..

ومن يتتبع معظم نكبات العالم يجد أن وراءها حاكما مؤدلجا دينياً أو قومياً ينفرد بالسلطة، وعادة يبدأ بإصلاحات كبيرة ووعود كثيرة، ومؤسسة إعلامية قوية تعظم منجزاته وتبرر أخطاءه، وقبضة حديدية تسكت كل منتقديه ومعارضيه، حتى ولو كان وصوله إلى الحكم بطريقة ديمقراطية كما حصل لهتلر الذي تسبب في حرب عالمية راح ضحيتها أكثر من ستين مليون قتيل على مستوى العالم، ومثله ستالين بعد الثورة الروسية وماو وغيرهم، وفي العالم العربي شهدنا جميعاً الآثار المدمرة لكل دكتاتور من أمثال صدام حسين والقذافي وبشار الأسد وغيرهم.

ويبدو أن العالم العربي لا يخرج من أزمة أو حرب إلا ويدخل في أزمة جديدة خاصة بعد قيام الثورة الخمينية التي نادى ساستها بتصدير الثورة منذ قيامها، وعادة تجد المدخل إلى أنشطتها عن طريق حزب يتبنى ولاية الفقيه كما هو في لبنان واليمن، أو عن طريق قائدٍ يحاول جاهداً أن يتمسك بمركزه رغم أخطائه الفادحة ومنهم رئيس الوزراء السابق المالكي وبشار الأسد وعلي عبدالله صالح وأمير قطر السابق الذي تنازل لابنه إلا أنه ظل ممسكاً بكل مفاصل القرارات الداخلية والخارجية.

العالم العربي وصل هذه الأيام إلى وضع مأساوي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وبحاجة إلى خطوات عملية مدروسة يكون أساسها الأخذ بما أخذت به الدول المستقرة والمتقدمة وخاصة أوروبا التي مرّت بحروب أهلية وحربين عالميتين خلال قرن واحد، وقد توصلت إلى أن أفضل نظام للحاكم والمحكوم هو تقوية السلطات الثلاث وفصلها وتقوية الشق الرقابي والمحاسبي وإعطاء الصحافة الحرية للنقد والتصحيح، لقد أصبحت دولة صغيرة مزقتها الحرب الأهلية مثل سويسرا نموذجاً للدولة الفيدرالية التي تفتخر بما لديها من رخاء وأمن وازدهار اقتصادي وحياد تام جنبها الكثير من الويلات والمؤامرات، كان من الممكن أن تصبح قطر بما لديها من ثروات نموذجاً لما يجب أن تكون عليه الدول في العالم العربي لولا جنوح أميرها إلى التدخل في شؤون الدول لزعزعة استقرارها، كان من الممكن أن تبني قطر أفضل الجامعات وتنشئ أفضل الحدائق والمتنزهات والمرافق السياحية والمصانع لتحويل أصول تلك الثروات إلى مصادر دائمة لتنويع مصادر الدخل وضمان حق الأجيال القادمة في ثروات ناضبة تم استخراجها وتبديدها.

إن أفضل قرار يمكن أن تقوم به الدول هو بناء المزيد من مراكز الدراسات والأبحاث وجعل قراراتها مبنية على دراسات علمية وخطوات ثابتة ومعروفة حتى تتجنب المزيد من الأخطاء والصراعات وتبديد الثروات دون طائل كما نراه اليوم في ما تقوم به الحكومة القطرية.