في إجراء ينطلق بالتأكيد من الحرص على تعزيز القدرة التنافسية للصناعات الوطنية، ويراعي التراجع في مستوى المبيعات وزيادة حجم المنافسة، قررت المملكة تخفيض رسوم التصدير لمصانع الاسمنت بنسبة 50%.

فقد كان متوقعاً أن تبلغ مبيعات شركات الاسمنت السعودية خلال العام الحالي نحو (60) مليون طن، بواقع (5) ملايين طن شهرياً، إلا أن التوقع لم يتحقق، الأمر الذي استشف منه بأن الشركات العاملة في هذا القطاع لم تبادر إلى زيادة الإنتاج في ظل تراجع مستوى المبيعات وزيادة حجم المنافسة، وبالتالي نشأت القناعة باحتمال أن يسهم قرار خفض رسوم التصدير في تعزيز صادرات بعض شركات الإسمنت الوطنية للأسواق الخارجية، لا سيما وأن مصانع تلك الشركات في حال رفع الطاقة الإنتاجية تستطيع زيادة حصصها السوقية في أسواق الدول المجاورة بنسبة تصل إلى (30%) على الأقل.

ما يظل محل الاهتمام والقلق حيال هذا الملف هو ما تشير له الدراسات من أن استهلاك الفرد من الإسمنت في المملكة من أكبر معدلات الاستهلاك في العالم نسبة إلى عدد السكان، حيث أنه عند حساب هذا المعدل للاستهلاك، تكون المملكة الأولى على مستوى العالم بمقدار (2) طن لكل فرد من السكان، بينما الصين المنتج الأكبر في العالم والتي تبلغ حصتها نحو (57%) من الإنتاج العالمي للإسمنت وتعد من الأكثر استهلاكاً له، لا يتجاوز مقدار هذا المعدل لديهــا (1.5) طن لكل فرد، فالمملكة تأتي في المرتبة الثانية عشرة على مستوى العالم في انتاج الاسمنت، وتعد أكبر منتج ومستهلك له على مستوى مجلس التعاون الخليجي، وقد وصلت إلى مرحلة تلبية الطلب المحلي والاكتفاء الذاتي، وقدرتها على التصدير نتيجة رخص أسعار المواد الخام، والدعم الحكومي للوقود، الذي يمثل أكثر من ثلث اجمالي تكلفة الإنتاج، وأدى بالتالي إلى ارتفاع استهلاك مصانع الاسمنت المحلية من الوقود ليتجاوز ثلاثة أضعاف المعدل العالمي، وجعله حاليا محل إعادة نظر، بل ومطالبة شركات الاسمنت أن تخفض من استهلاك الوقود، عبر إعادة تأهيل المعدات، واستخدام التقنيات المتقدمة التي تزيد من كفاءة إنتاجها، الأمر الذي يوحي باحتمال أن يكون لذلك تأثيره على قرار خفض رسوم التصدير للإسمنت المنتج محلياً، خشية من التراجع المستقبلي لهامش الربح الذي تحصل عليه المصانع القائمة، ومن ثم احتمال زيـــادة الأسعار، أو تراجع القدرة على جذب الاستثمارات.

الجانب الآخر الذي لا يقل أهمية عما سبق، هو تداعيات الكمية الكبيرة من انتاج الاسمنت على معدلات الاستنزاف للمواد الخام المحلية وبالذات الحجر الجيري، الذي ربما يعكس جانباً منه التحفظ الذي تبديه وزارة الطاقة والصناعة والثروة المعدنية حيال إعطاء مزيـد من التراخيص يضاف إلى ذلك بالتأكيد الآثار السلبية على البيئة بسبب التلوث.