كل خطوط الإنترنت تلتقي في أميركا، ومن غوغل يأتيك الخبر اليقين. ولأن غوغل مثله مثل أميركا واحد لا يتكرر، وقوة لا تقهر فقد بدأ في تغيير الأنماط والأنساق السائدة للحكم والمجتمع والعلاقة بينهما على مستوى العالم. أميركا غيرت جلد ولون وسائل تأثيرها الخارجي، واستبدلت سياستها التقليدية التي تحث الدول على إحداث تغييرات في ملفات حقوق الإنسان والديمقراطية بالتوجه مباشرة إلى الشعوب وتدريبها على انتزاع حقوقها عن طريق الدبلوماسية الرقمية.

عراب هذا الانقلاب في وسائل السياسة الخارجية الأميركية هو السيد جاريد كوهين، الذي التحق بوزارة الخارجية الأميركية عام 2006م بعد نشره كتابا مهما كان نتيجة تجوال في الشرق الأوسط شمل إيران، ويبدو أن نظرياته لفتت انتباه كونداليزا رايس وزيرة خارجية أميركا آنذك فاستقطبته للعمل الحكومي. خليفة رايس في وزارة الخارجية هيلاري كلينتون استبقت كوهين، ودعمته إدارة أوباما لاستخدام القوة الناعمة في تغيير الحكومات عن طريق تبني حركات الشباب حول العالم وتنظيم مؤتمرات دورية، وورش عمل وتجمعات حول العالم وتأسيس أكاديميات وبرامج للتغيير وتدريب مكثف في كيفية استخدام التقنية ووسائل الإعلام الحديثة في فرض تغييرات عميقة في مجتمعاتهم. وقد استفادت حركة 6 أبريل المصرية وحركة 20 يناير المغربية، وحركة الشباب الليبية الذي انخرطوا بجدية في المشروع منذ بدايته. نجحت الحركتان المصرية والليبية في تغيير الحكومتين المصرية والليبية والتف المغرب بذكاء على منجز الحركة فبقي النظام مع تسليم الحكم للإخوان المسلمين.

الدول اليوم استحوذت على شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الحديث للتأثير في الرأي العام ودفعه عاطفيا لمساندة سياساتها الداخلية والخارجية التي تتعارض مع الأهداف..

الدبلوماسية الرقمية التي أدت إلى ما عرف لاحقا بالربيع العربي تم تجريبها أولا في انتخابات إيران عام 2009م، ومع نجاح التجربة الوقتي فإنها فشلت على المدى الطويل حيث أعيد انتخاب أحمدي نجاد وتم قمع الناشطين. وتمثلت بعض التدريبات التي تلقاها الناشطون من مختلف دول العالم في كيفية إخفاء هوياتهم على فيس بوك وكيفية الحشد عن بعد، والتحول من الميادين الافتراضية إلى الميادين الحقيقية لشل الحياة العامة بدون إراقة الدماء. هذه القوة الناعمة التي تبنتها وزارة الخارجية الأمريكية تعترف «بأن تكنولوجيات الاتصال الحديثة تتيح فرصا نوعية للتفاعل مع جمهور أوسع من خلال اعتماد نهج شبكي والاستفادة القصوى من نظام عالمي مترابط ومتعدد المراكز يزداد اتساعا»، وبذلك فإن هذه التقنية سوف تسهم في تيسير مهمة «الدبلوماسية العامة الأميركية « لتحقيق أهداف وغايات السياسة الخارجية الأميركية، وتعزيز المصالح الوطنية، والأمن القومي من خلال إعلام الجمهور الأجنبي والتأثير عليه، وتوسيع العلاقة بين شعب وحكومة الولايات المتحدة ومواطني بقية العالم «. ويلاحظ في هذا التعريف استبعاد الحكومات الأجنبية من علاقة حكومة أميركا وشعبها بشعوب العالم.

جاريد كوهين غادر وزارة الخارجية الأميركية عام 2010م لينضم إلى غوغل غوغل مسؤولا عن الأفكار وعن مركز التفكير الممول من الشركة، وبذلك يستمر مشروع فن الحكم في القرن 21م وإعادة صناعة الدول بما يتناسب وغايات السياسة الخارجية الأميركية، التي تؤكد على تهيئة ثلاث منصات للتغيير وهي 1- حكومات مفتوحة أمام تأثير وسائل التقنية والإعلام الحديث، و 2- أسواق مفتوحة، و3- مجتمعات مفتوحة قابلة لتلقي التوجيه من خارج حدود الدولة. وكأن أميركا تقول للدول التي رفضت مبادئ التغيير طوعا، بأنها ستكون مكرهة في المستقبل القريب على قبول كل مستويات التغيير ووفقا لما تمليه غايات السياسة الخارجية الأميركية.

الدول اليوم استحوذت على شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الحديث للتأثير في الرأي العام ودفعه عاطفيا لمساندة سياساتها الداخلية والخارجية التي تتعارض مع الأهداف التي تسعى الولايات المتحدة الأميركية لتحقيقها، وأصبح المسؤول عن الدعاية وتوجيه الرأي العام يصنع آلاف المعرفات على تويتر جميعها تأتمر بأمره وتروج رسالته لصناعة رأي عام مزيف، وفي المقابل يستخدم أدوات التنقيب التقنية عن المعلومات من مستودعاتها الخضمة لتحليل الخطاب العام واكتشاف مصادر الخطر وقمعها في الوقت المناسب. ولذلك فإنني على يقين أن السيد كوهين سوف يغير مع وزارة الخارجية الأميركية قواعد اللعبة لحرمان الدول من الدعم الذي تتيحه شبكات التواصل الاجتماعي وإعادة المبادرة للشعوب.