مقارنة بسيطة بين ما حدث لليابان بعد غزو القوات الأميركية لها في الحرب العالمية الثانية وبين ما حدث للعراق بعد غزو القوات الأميركية لها في عام 2003، اليابان خرجت من الحرب وقد دمرت مدنها ليس بالقنبلتين النوويتين فقط، لكن بآلاف الأطنان من القنابل والذخائر من مختلف الأسلحة، وعمت البطالة والمجاعة والأمراض مختلف أوجه الحياة، لكن اليابان تمكنت من تحويل الهزيمة إلى نصر بالبحث الجاد عن أسباب الهزيمة، وسبب قيام اليابان بكل هذه الحروب مع جيرانها، فوجدوا أن في تراثهم ما يشجع على تلك الروح العسكرية العدوانية إضافة إلى ما يمتلكه الإمبراطور من سلطة مطلقة بتفويض إلهي، حينها قامت اليابان وبمساعدة المحتل بكتابة دستور جديد يعزز الديمقراطية ويوزيع الصلاحيات ويقوي سلطة البرلمان ويحفظ لليابان وحدتها. واستوردت ما لدى الغرب من علوم ونظم وإدارة دون خوف من التغريب، لتصبح اليابان على ما هي عليه اليوم من قوة اقتصادية ورقي بالخدمات واختفاء كامل للبطالة رغم كثرة سكانها وفقرها الشديد في المصادر الطبيعيىة، أما العراق فقد أحيا أسوأ ما في التراث من طائفية وقومية، إضافة لوجوده بين دولتين الأولى دكتاتورية دينية ولديها أطماع توسعية هي إيران والثانية دكتاتورية حزبية وعلى عداء مع حكومة العراق السابقة وهي سورية، ولا ننسى إسرائيل التي لها دور ومصلحة من الغزو الأميركي، ولهذا اشتعلت الطائفية وتدفق المقاتلون إلى العراق من كل مكان، وتمخضت الانتخابات عن حكومة طائفية تتحكم بها إيران فأججت العداء بين الطوائف والقوميات التي مزقت العراق ومهدت لوجود داعش.

لا يوجد شخص على مستوى العالم لا يرتكب أخطاء، لكن أفضل القادة هم الذين يتقبلون النقد البناء بصدر رحب ويشجعون من يقدمه لهم، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة..

وهنا يتضح أن سبب نهضة اليابان هو قدرتها على النقد الذاتي الذي أوضح أوجه الخلل في ثقافتها وفي تراثها، فشخصت أسباب الهزيمة وأوجدت الحلول العلمية والطرق الصحيحة إلى النهضة، بعكس العراق الذي تمسك بأسوأ ما في الماضي من خلافات وحروب وطائفية عززتها التدخلات الأجنبية.

العراق ليس سوى مثال واحد لما يعيشه العالم العربي والإسلامي من تخلف في كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، والسبب في نظري يعود إلى إلغاء العقل والتركيز على النقل دون تفكير وتحليل، والتمسك بكل متناقضات الماضي وأخطائه، وإحاطته بظلال من القدسية ساوت بين نقده ونقد ثوابت الدين.

البشر معرضون لأخطاء كثيرة وفي كل أوجه الحياة، أخطاء على مستوى الأسرة وعلى مستوى العمل وعلى مستوى العلاقة مع الآخر، ولولا النقد البناء لما اكتشفنا الكثير من الأخطاء إلا بعد فوات الأوان، لذا علينا أن نركز في نقدنا على الأمور الآتية:

أولاً. النقد ليس من الأمور المحببة سواء للناقد أو المنقود، ولهذا نجنح كثيراً إلى عدم الصراحة في النقد، ونلقي باللوم على عوامل خارجية، والعرب من أكثر الشعوب تجنباً للنقد البناء الذي يوضح الأسباب الحقيقية لما يعانيه من نكسات منذ مئات السنين، فيحيل كل هزيمة إلى قوى خارجية أو إلى القضاء والقدر، متناسين قوله تعالى: "قل هو من عند أنفسكم" .

ثانيا. أكثر الناس حاجة إلى النقد الذاتي هم القادة على مستوى الدول والمؤسسات والقادة في الميدان، فلا يوجد قائد ملم بكل ما يتطلبه مجال عمله خصوصاً مع تعدد المهام وصعوبة اتخاذ القرار، ويزداد تأثير الخطأ في اتخاذ القرار بكبر حجم مسؤولية القائد، وفي كل دورات العسكرية ومدارس القيادة على مستوى العالم يحتل النقد البناء حيزاً كبيراً من المنهج، وبعد كل نشاط أو تمرين يعطى الطلبة فرصة لتوجيه النقد والبحث عن أسباب الفشل أو ارتكاب الأخطاء، وعادة ما تركز تلك الدورات على أهمية العمل الجماعي والعصف الذهني والبحث عن أفضل الحلول قبل اتخاذ القرار.

لا يوجد شخص على مستوى العالم لا يرتكب أخطاء، لكن أفضل القادة هم الذين يتقبلون النقد البناء بصدر رحب ويشجعون من يقدمه لهم، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة حين انتقد الحباب بن المنذر المكان الذي اختاره الرسول للجيش في معركة بدر، وسأله: أمنزلاً أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، وقد أخذ الرسول بوصيته وأمر من معه بتنفيذ ما أشار به ذلك الصحابي الجليل.

النقد البناء إجراء ضروري حتى نصل إلى أفضل النتائج ونقلل الأخطاء ونرتقي بالأداء.