أثناء مشاركتي في رياضة المشي في منطقة جازان، التقينا ببعض كبار السن ممن عاصروا بدايات نشر التعليم في المملكة على يد المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله، يقول ذلك المسن: ثبت الملك عبدالعزيز حكمه بعد توحيد المملكة بعاملين: الأول ترسية قواعد الأمن وهيبة الدولة، والثاني نشر التنمية ومنها التعليم وشق الطرق وتوفير الحد الأدنى من الخدمات، ثم أشار بيده إلى قرية تقبع في رأس الجبل المقابل وقال: كان المعلمون يذهبون إليها كل صباح على الحمير أو المشي ساعات، والمعلمون من دول عربية كالأردن وفلسطين، وأردف: من تلك المدرسة يوجد اليوم أطباء وأساتذة ومهندسون، أما الأمن فقد حافظ عليه أمراء المناطق فقضوا على كل أنواع السرقات والجريمة وفرضوا هيبة الدولة في كل مدينة وقرية.

وردت تلك الخواطر وأنا أبايع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وأجد الكثير من الشبه بينه وبين الملك عبدالعزيز ليس في المظهر فقط، لكن في توافق بعض المواقف أيضا فقد تولى كل منهما المسؤولية في وقت مبكر ويملك كل منهما الشجاعة والطموح، والملك عبد العزيز أدخل المملكة في الاقتصاد الحديث بالسماح للشركات العالمية بالتنقيب عن البترول، والأمير محمد يقود رؤية وطنية طموحة لتنويع مصادر الدخل وعدم البقاء تحت رحمة مصدر واحد ناضب ومعرض لكل أنواع الهزات الاقتصادية، الملك عبد العزيز وثق علاقته بالدول الكبيرة والتقى بالرئيس الأميركي أيزنهاور، وحمل هموم المملكة إلى المحافل الدولية، واليوم يشدّ الحفيد رحاله إلى أهم الدول المؤثرة في العالم حاملاً معه رؤية المملكة وفرص التعاون في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، الملك عبدالعزيز استعان بالمستشارين من أبناء البلد ومن الدول العربية والأجنبية، والأمير محمد جلب الشركات الاستشارية والمحلية ليبدأ من حيث انتهى الآخرون. في عهد المؤسس كانت التحديات كبيرة لكن الطموح والإرادة أكبر، واليوم تمر المملكة بتحديات كثيرة داخلية وخارجية، ففي الداخل يتطلب التحول وتحقيق الرؤية تضحيات كثيرة وجهودا مستمرة لتصبح المملكة من بين أفضل اقتصاد على مستوى العالم، وفي الخارج تحيط بالمملكة دول غير مستقرة وتواجه مؤامرات كثيرة للنيل منها.

المملكة على أعتاب نهضة شاملة سيكون أساسها إصلاح التعليم ومكافحة الفقر والفساد والبطالة، وستتضح معالمها قريباً بإذن الله، نهضة يقودها الشباب من الجنسين لوضع المملكة في مكانها اللائق بين الأمم..

اليوم تمر المملكة بأكبر عملية تجديد وتحديث على المستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي ممثلة بالرؤية 2030، وتبوأت مركز القيادة على المستويين العربي والإسلامي دون منازع والدليل على ذلك تلك القمم الثلاث التي عقدت في الرياض وحضرها الرئيس الأميركي في أول زيارة خارجية له، وسيتعزز هذا التجديد وهذه القيادة بالتركيز على الجهود الآتية:

أولاً: الرؤية 2030 هي أكبر مشروع وطني تقوم به المملكة منذ تأسيسها وذلك لشمولها على مختلف الجوانب الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية التي هي أساس الديمومة والاستقرار، ولأول مرة يكون للمملكة رؤية مكتوبة ومحددة بتاريخ وأهداف واضحة، وقد حلت محل الخطط الخمسية التي كانت توضع كل خمس سنوات بأهداف جميلة لكن معظمها لا ينفذ، ولأن الرؤية تستهدف رفاهية الشعب بكل فئاته فمن أهم شروط نجاحها إشراك المعنيين بها في تنفيذها وخاصة فئة الشباب الذين يمثلون 70% من تعداد السكان والذين ينتمي إليهم صاحب الرؤية، والمشاركة تعني فهم الرؤية أولاً ثم المشاركة في تنفيذها، ومن أهم الجهات التي يجب أن تشرك في تنفيذ الرؤية الجامعات بكل ما تملك من طاقات بشرية ممثلة بالطلبة وأعضاء هيئة التدريس، كالمشاركة في الدراسات والأبحاث واستخدام ما لدى الجامعة من مرافق ثقافية ورياضية وعلمية لإحداث نقلة نوعية على مستوى الوطن، فالجامعات هي التي يجب أن تؤثر إيجاباً على المجتمع وليس العكس.

ثانياً: التجديد الأهم الذي تقوم به المملكة بقيادة الملك سلمان وولي عهده هو التجديد الفكري الذي سيحرم الإرهاب من أهم مصادر تغذيته وهو التطرف، فالمملكة هي الأقدر على محاربة الفكر المتطرف لمنزلتها الدينية والاقتصادية والسياسية، لكن في مجال محاربة التطرف لا توجد طرق مختصرة ولا حلول جاهزة، بل لا بد من البداية من الأساس وهو التعليم بكل مراحلة لإحلال التسامح محل التعصب، وقبول المختلف محل كرهه، وهذا هو أهم مشروع لإحلال السلام في المنطقة، وخدمة الإسلام وانتشاره بالقدوة الحسنة كما انتشر في الماضي في جنوب شرق آسيا.

المملكة على أعتاب نهضة شاملة سيكون أساسها إصلاح التعليم ومكافحة الفقر والفساد والبطالة، وستتضح معالمها قريباً بإذن الله، نهضة يقودها الشباب من الجنسين لوضع المملكة في مكانها اللائق بين الأمم.