تم بروك (Tim. Brook) في كتابه المعنون "التعاون بين العملاء اليابانيين والنخب المحلية في حرب الصين" سرد شواهد من الأرشيفين الياباني والصيني عن مساندة عدد كبير من النخب الصينية للقوة اليابانية المحتلة لبلدهم، ثم توصل إلى خلاصة مغايرة للمتوقع وهي أن تعاون النخب الصينية مع المحتل الياباني لم يصنع استقرارا سياسيا لليابان، وفي ذات الوقت كان محرجا من الناحية الأخلاقية لكلا الجانبين الياباني والصيني، مما أثار توترات قوضت سلطة دولة الاحتلال وأجهضت خطط اليابان طويلة المدى لاحتلال الصين. هذا الاستنتاج يثير الشكوك حول ولاء بعض النخب لمجتمعاتهم المحلية كما أنه يقرر الأثر السلبي لتجنيد النخب من قبل أطراف خارجية، وبلغة اليوم فإن تجنيد النخب في بلد آخر بقدر ما يثبت خيانة تلك النخب لأوطانها فإنه لا يقدم للدول المستثمرة فيهم سوى خيبة الأمل. ربما نسقط هذا الاستنتاج العلمي على جهود ربع قرن من الاستثمار القطري في النخب المحلية في البلدان التي وضعتها ضمن دائرة الاستهداف. فعندما حصحص الحق وقوطعت قطر من أقرب الدول لها لم نشهد مظاهرات تجتاح مدن العالم لدعم الموقف القطري، بل إن خيانة النخب لمجتمعاتها أضعفت التعاطف مع قطر في الأزمة التي تكاد تودي بمكتسباتها، (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ).

النخب المحلية من جانب آخر تشكل الرأي العام حول الأزمات التي تتعرض لها الدول، وإذا كانت النخب السياسية متفقة على حتمية موقف الدولة من الأزمة، وما اتخذته من قرارات مهما كانت قاسية فإن النخب الفكرية لا تجد مجالا للمناورة لدواع أخلاقية أو سياسية. وعكس ذلك صحيح ففي حالة بروز أكثر من رأي للمشتغلين بالقرار السياسي بعضهم مؤيد والآخر معارض لأسباب تتعلق بحسابات الربح والخسارة، أو بالجوانب الأخلاقية والإنسانية كما حدث قبل الاجتياح الأمريكي للعراق فإن النخب تنقسم تبعا للخلاف السياسي حول شرعية وضرورة الإجراء، وبذلك يحدث تصدع في الرأي العام ويستمر لمدد طويلة.

كانت حكومة قطر مثيرة للجدل على مدى أكثر من عقدين من الزمن، وستكون نتائج القرارات الحاسمة لدول الخليج المجاورة لها منجماً للعبر وصفحة في سفر التاريخ يقصده المهتمون بدراسة الخيانة، وخيبة الأمل، واليانصيب السياسي..

أزمة الخليج الحالية جديرة بالدراسة حيث أبانت عن رأي عام داعم بالكلية للقرار السياسي، وهي ظاهرة مثالية تتمناها أي دولة في العالم، لأن القيادة السياسية إذا دخلت في حرب أو نزاع أو أزمة وهي مدعومة برأي عام جارف في مساندتها فإنها لا تجد صعوبة تذكر في اتخاذ القرار مهما كان قاسيا. الملحوظة الأخرى تمثلت في أن خطاب النخبة في الدول الخليجية الثلاث (السعودية، الإمارات، البحرين) لا يمكن تمييزه عن الخطاب الإعلامي العام، بل وصل إلى مستوى من الشعبوية يتماهى مع خطاب العامة وبخاصة على شبكات التواصل الاجتماعي؛ أي أن التنافس لم يعد في عمق المحتوى، ولا في جدلية مفردات الخطاب وتنوعها، وفي تمايز الرأي والمعلومة، وإنما في وضوح الإدانة بأقسى العبارات، والتعبير عن خيبة الأمل في القيادة السياسية للشقيقة قطر بوضوح تشترك فيه النخب والإعلاميين والرأي العام في الدول المذكورة.

السؤال الذي قد يطرح ضمن فرضيات أي دراسة جادة هو: إلى أي مدى يساعد هذا الظرف المثالي صانع القرار، وييسر مهمته في التعاطي مع فصول الأزمة وتقلباتها؟ وهل يمكن أن يشكل تعقيدات غير منظورة تجعل القرار الرسمي مرتهن لحماس الرأي العام وعقلية الجماهير الجارفة؟ وكيف يمكن للسياسي -المقل بطبيعته في الظهور- أن يعيد توجيه الرأي العام وفقا لما يتطلبه الأمن الوطني والمصالح العليا في وقت أصبح فيه للمواطن الفرد منبره الإعلامي المستقل تماما عن تأثير وسائل الإعلام الرسمية؟

كانت حكومة قطر مثيرة للجدل على مدى أكثر من عقدين من الزمن، وستكون نتائج القرارات الحاسمة لدول الخليج المجاورة لها منجما للعبر وصفحة في سفر التاريخ يقصده المهتمون بدراسة الخيانة، وخيبة الأمل، واليانصيب السياسي. لقد راهنت قطر على ورقة الوهم طويلا، وهي تتجرع اليوم الظمأ في هجير الخسائر الفادحة على كل المستويات.