مارس النظام القطري على مدى 20 عاماً سياسات متناقضة تجاه الجميع أشقاء كانوا أم أعداء وحتى الأصدقاء، وهذه التصنيفات نقرؤها بالمفهوم العام لا بالمفهوم القطري الذي يعاني هو الآخر من أزمة فهم ومشكلة ممارسة ناتجة عن أزمة هوية وانتماء لأسباب عديدة ليس هذا مقام سردها.

هذه السياسات ورغم تناقضاتها التي تصل إلى حد الجنون إلا أنها تلتقي عند محور واحد كان وما زال مشكلة سلطات الدوحة وخاصة في عهدي تميم بن حمد ووالده، وهو محور جنون العظمة والاستعلاء، وهو الذي أوقع البلاد في مشكلات لا حصر لها مع عشرات الدول التي وإن اختلفت سياساتها إلا أنها صادقت جميعها على أن ما يحدث في قطر نوع من الجنون لا أكثر.

فقد اعتقد تميم وقبله والده أنهما يمتلكان قدرات خارقة تمكنهما من إحداث كل شيء وفي أي وقت وبالطريقة التي يريانها، وزاد الأمر سوءًا وجود مجموعة من خائني أوطانهم وأمتهم في مواقع المستشارين وصناع السياسات القطرية، يضاف إلى ذلك مؤشرات اقتصادية لإمارة صغيرة تسببت في تردد اسمها كحقل غاز وقاعدة عسكرية أميركية، وهو ما أعطى إشارة البدء لفصول (جنون العظمة لحاكم قطر)، وهو مسلسل طويل تضمن حلقات خيانة، غدر، عبث، استقواء، وإلحاق الأذى بالآخر.. والعديد من الحلقات التي كانت ستستمر إلى ما شاء الله لولا لطف الله ثم إعلان أربع دول وقوفها بحزم في وجه العبث السياسي القطري الذي أنتج مخططات شر ودمار في دول المنطقة.

فقد شهد العالم إعلاناً تاريخياً تضمن حزمة من الإجراءات السياسية والاقتصادية تجاه العبث القطري الذي تأذى منه القاصي والداني، وهنا انكسرت معاني (جنون العظمة) في وجدان السلطة الحاكمة في قطر داخلياً وخارجياً.. فالداخل -وإن لزم الصمت- شاهد نتائج مغامرات تميم ووالده وتأثيرها على معيشته وسمعة وطنه.

أما عن الخارج فيكفي ارتباط الدولة القطرية بالإرهاب ودعمها وتحويل الدوحة إلى وطن للمطاردين والمطلوبين للعدالة ومركز لكل تنظيم إرهابي.

بين الجنون والانكسار تدور حالياً عجلة السياسة القطرية، وقراءة ذلك ليس بالأمر الصعب فمسؤول بحجم وزير الخارجية وخلال جولاته وأحاديثه للإعلام الأجنبي يتقمص أسلوب وزير الخارجية لإحدى دول جنوب آسيا أو وسط أفريقيا في حديثه عن الحصار والمظلومية والرحمة وغيرها من «أساليب الانكسار»، وهو الشعور الذي يتحول إلى «جنون» بمجرد أن تلامس عجلات طائرته أرض الدوحة وعندها تخرج عبارات (لم نتأثر)..(لن نركع)..(لدينا خيارات أخرى)..

هنا وهنا فقط .. يكون المصير القطري بين خيارين لا ثالث لهما إما الجنون أو الانكسار علماً أن أحدهما قد يؤدي بالضرورة إلى الآخر.