تدخل الأزمة القطرية قرابة الشهر حاملة معها الكثير من المفارقات والمفاجآت ومازالت الأيام حبلى بالكثير من التداعيات، إلا أنّ من أهم العبر المستفادة من الدرس القطري هي جانب المكر والدهاء والتلوّن وارتداء الأقنعة التي اصطبغت به سلوكيات ومواقف الكثير من المقامرين من الإعلاميين والحزبيين وغيرهم، تلك المواقف المشبوهة والمحيّرة التي تجعلك تحار بأي عقل هؤلاء يفكّرون؟ وما هي منطلقاتهم وأيديولوجياتهم التي يبنون عليها ردود أفعالهم؟ وذلك الصمت المريب والتزام الحياد المخجل أمام حدث تاريخي كهذا؟

يقول بالتسار جراتسان: "لا تجعل أحداً يكتشف أنك تخادع، رغم أن لا أحد يستطيع في زماننا هذا أن يعيش دون أن يخادع، لكن اجعل أكبر مكرك هو أن تخفي كلّ ما قد يكشف للآخرين مكرك". وهذا ما برع فيه المتلوّنون في هذه الأزمة إذ أنهم يملكون من البراعة ما ساعدهم على التخفّي وإضمار مواقفهم ونواياههم الحقيقية عن الجميع، لكنّ الوعي المجتمعي استطاع كشف زيفهم ومكرهم سريعاً وظهر جوهرهم الحقيقي المزيّف ولم يستطع الطلاء البرّاق إخفاء معادنهم الرخيصة.

لقد دأب هؤلاء المتلونون على استثمار كل الوسائل المتاحة سواء منصات التواصل الاجتماعي أو الأقنية المختلفة من إذاعات وقنوات فضائية لخدمة أهدافهم وأطماعهم وباتوا ينظّرون في كل كبيرة وصغيرة حتى الشأن التركي بلغ بهم الحماس له مبلغاً بتنا نشك في أنّ مواطنتهم لوطننا أو له؟

الخداع والمكر هما أهم إستراتيجيات السطوة، لكن لكي تتقن الخداع عليك أن تستخدم ستائر الدخان التي تضلّل الناس عن مقاصدك الحقيقية. من أبرع الطرق لوضع ستائر الدخان استخدام تعبيرات وجه المقامر الباردة والمحايدة والتي تصعب قراءتها. استخدامك للتعبيرات المحايدة والمألوفة يطمئن الآخرين ويستدرجهم إلى الفخ الذي أعددته لهم.

ما تقدم ملخّص لرؤية روبن جرين مؤلف كتاب "قواعد السطوة" والذي فصّل فيه إستراتيجية المكر بحذق لافت إذ يعتبر أن ستائر الدخان مفهوم مرن ويمكن ممارسته بطرق ومستويات عديدة لكنها تقوم جميعاً على مبدأ نفسي واحد وهو تضليل الآخرين وتشتيت انتباههم عن غرضك الحقيقي. من أكثر طرق ستائر الدخان فعالية القيام بأفعال وتلميحات تدل على النُّبل لأن الناس يحبّون أن يقنعوا أنفسهم بأنّ هذا النُّبل صادق وحقيقي؛ لأنّ ذلك يمتعهم ويرضيهم ويجعلهم ينسون أن هذا النبل قد يكون مفتعلاً وخادعاً، وهذا ما لمسناه عن كثب في تحرّكات الحزبيّين المشبوهة - والتي انكشفت مؤخراً والتي كانت تبرق أمام أعينها الخلافة الإسلامية -وفق زعمهم وتصوراتهم القاصرة والساذجة والحمقاء فهي لا تجيد قراءة التاريخ ولا تملك من العتاد الفكري والثقافي ما يجعلها توقن أن الدولة - التي يسعون بمكر وخبث شديدين إلى تفتيتها - هي سياج يحمي المجتمعات، فالدولة -وكما يُجمِع كل الفلاسفة والمفكّرين- مفهوم فلسفي وسياسي ورهان السلطة الأساسي. وأنها تشكّل الآمال العظمى للمواطنين أياً كانوا وأياً كانت درجاتهم، فوجود الدولة بشكلها النظامي المؤسسي ضرورة لتحقيق التوازنات الاجتماعية والسياسية، وأنه من غير المعقول تصوّر مجتمع بدون دولة وأنّها -الدولة- حجر الزاوية في كل ما يتعلّق بالسِّلم والحرّية واحترام حقوق الإنسان ومحاربة الفقر، ولذلك يكتسي الوعي بخطورة دورها أهمية قصوى في كل إستراتيجية تهدف الإصلاح أو التغيير.

نخلص من هذا إلى أن ما نعيشه الآن -وسط تداعيات الملف القطري- هو صراع تدخل فيه "القوة الناعمة"، ذلك المصطلح الذي سكّه الخبير الإستراتيجي الأميركي صمويل ناي وكان يعني به ما تملكه الدول من سبل للتأثير على الدماغ الجمعي للشعوب الأخرى وعلى غرف صناعة القرار بها من خلال الإقناع والاستقطاب المرتبط بمصادر وقدرات غير ملموسة مثل: نشر الأفكار والمعلومات، ودعم قنوات البث الإذاعي والإرسال التلفزيوني، وترويج سلع وخدمات وبرامج معلوماتية هدفها دعم المعارضة للنُّظُم القائمة. وهذه "القوة الناعمة" برعت في استخدامها القيادة القطرية ووجدنا تأثيرها البشع في الأدوار القطرية المشبوهة والملوّثة من استغلال المال كقوة ناعمة في خدمة أهدافها التآمرية ونجحت فعلاً في تجنيد وتوظيف الكثير ممن باعوا ضمائرهم وأوطانهم بثمن بخس وبات فرزهم وتعريتهم مطلباً وطنياً وأمنياً إذ لا حياد مع ما يمس أمن الوطن، وإن حاولوا النأي عن الحدث والتذرّع بحجج واهية تهرّأت حبال خديعتها مع أول امتحان حقيقي للولاء والوطنية والمعتقد.