أثناء حملتها الانتخابية اعتذرت هيلاري كلينتون عن تصويتها -عندما كانت عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي- لصالح اجتياح العراق عام 2003م؛ اعتذار لن يعيد الدماء إلى شرايينها ولا الأنفاس إلى ملايين الصدور التي فارقتها. توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق اعتذر أيضا، وكأنه لم يفعل. أما الرئيس جورج دبليو بوش فلم يعتذر بعد، وإنه لفاعل ولو على فراش الموت.

الاعتذارات من السياسيين لا نهاية لها، ولكنها في الغالب تأتي متأخرة وبعد خسارة الأرواح والممتلكات وتدمير الأرض وماعليها وإبادة الإنسان. وهناك من لم يتعذر إذ يبلغني أن صدام حسين ندم على احتلاله الكويت. الاعتذار المقبول كان سيكون قبل وصول القوات الدولية، متبوع بانسحاب من الكويت واعتبار ذلك عارا عليه وتحمل مسؤوليته شخصيا وقدم استقالته لتبقى العراق سالمة ويتصالح الشعب الكويتي والعراقي. وهل لو كان القذافي حيا سيعتذر عن فتوحاته المراهقة التي تدّخل بها في أكثر من دولة، بل وصل به الجنون أن أرسل كلابا بشرية ضالة بدعوى قتل المعارضين الليبيين في مكة المكرمة في موسم الحج. ربما يردد الآن رب ارجعني لعلي أعمل صالحا وأتوب.

تعالوا إلى كلمة سواء، وفي خلوة لا يدخلها بشارة اسألوا أنفسكم في هذا الشهر الكريم: لمصلحة من تتخلون عن تنظيم كأس العالم، وعن طيران قطر، وعن رفاهية شعبكم، فتلجون نفقا مظلما لا مجال للندم بعده؟

إيران لن تعتذر عن الفوضى التي أحدثتها في الدول العربية لأنها تعتبرها دينا تاريخيا مستحق السداد. وبالتأكيد فلن يعتذر السفير بريمر الذي عين الإرهابي نوري المالكي رئيسا للجنة اجتثاث البعث، ولن يعتذر بشار الأسد نيابة عن والده عن مذبحة حماة التي طوتها السنين آثارها وبقيت جراحها تنكأها الذكريات، أم هل سيعتذر لأسر ملايين الضحايا والمشردين الذين قتلهم بالتضامن مع الروس والإيرانيين. لم يبلغني أن دكتاتوريا قدم الاعتذار في الوقت المناسب، وهيهات أن يفعل.

وحدهم السياسيون القطريون لديهم فرصة تاريخية للندم والاعتذار والعودة قبل فوات الأوان. إنهم حتى الآن يكررون غطرسة صدام، وحماقة القذافي ودكتاتورية حافظ وبشار الأسد، وجهل المخلوع صالح ومن حذا حذوهم من السابقين ومن سبقهم بظلم. القيادة القطرية تجوب العالم وتعقد التحالفات وتشكل المحاور وتتعاقد مع المكاتب القانونية والسبب إما متابعة سنة الأولين، أو أنها مازالت تعيش حالة نكران ما حدث.

تعالوا إلى كلمة سواء، وفي خلوة لا يدخلها بشارة اسألوا أنفسكم في هذا الشهر الكريم: لمصلحة من تتخلون عن تنظيم كأس العالم، وعن طيران قطر، وعن رفاهية شعبكم، فتلجون نفقا مظلما لا مجال للندم بعده؟ هل سيكون جوابكم لهذا السؤال أنكم دولة ديمقراطية صوت لها شعبها على نصرة مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ولذلك ستلجؤون له للتصويت على الاعتذار والعودة قبل فوات الأوان؟ طبعا أنتم وأنا نعرف أن هذا الجواب مغشوش من ورقة دولة أخرى. أما الجواب الاختياري الثاني فهو أنكم تدمرون شعب قطر ومنجزها إرضاء للإخوان المسلمين الذين يأوون إليها في الشتاء، فإذا أورق الربيع حملوا ما غلا ثمنه من الدولارات لأوربا وتركيا وتركوا قطر تواجه صيفا لا ككل صيف؟ هذا جواب صحيح ولكنه غبي إذا منعكم من التراجع، أما الجواب الثالث فهو أنكم تدمرون بلدكم لتثبتوا أنكم مع الشيء وضده (أمريكا وإيران، إسرائيل وحماس، محاربة الإرهاب وتمويله) ليقال أن سياستكم حكيمة ووزنكم ثقيل؟

أحلامكم الكبيرة ماكان لها أن تزور يقظتكم لولا حضن دول مجلس التعاون الآمن. فماذا يريدون منكم؟ أمر يسير اجعلوه من ضمن الخيارات؛ فما نقموا منكم إلا عدم التدخل في شؤونهم الداخلية، لا بشكل مباشر ولا غير مباشر، والتوقف عن دعم الإعلام المعادي لدول المجلس وطرد الأشخاص والتنظيمات التي تشكل خطرا على أمن دول المجلس ومصر، وعدم العودة إلى أي من ذلك. فهل هذا كثير على دول مجلس التعاون وعلى الشعب القطري. أم أن قطر ودول المجلس لا تساوي عندكم حفنة من المبادئ المغشوشة، والأوهام النرجسية، وشذاذ الآفاق. هنا أقول لكم أنكم لا تستحقون حكم هذا البلد. أرجوكم، من أجل بلدكم وقبل فوات الأوان قدموا للعالم نموذجا جديدا في الندم والتوقف عن تدمير بلدكم. وإنه لموقف أنتم آخذوه ولو بعد حين. ذلك أن الخطوة القادمة هي السعي الجاد لتصنيفكم دولة راعية للإرهاب وهنا سيكون كل ما حققتموه سرابا بقيعة.