(زواج فريند) مصطلح مقتحم، ومفهوم أكثر اقتحاما في حياة المسلم في الغرب وقد يكون بين ظهراني أهله. المهم أن نتفهم معنى الحياة الزوجية لا أن نحاصرها في صيغة ثابتة وقياسية قد تصلح لكثيرين.. وهي الصيغة الأكثر امتثالا لمفهوم الزواج وغاياته.. لكنها قد لا تتحقق لآخرين.

فجرت الفتوى التي أصدرها الشيخ عبدالمجيد الزنداني رئيس جامعة الإيمان باليمن بإباحة ما يسمى بزواج فريند خلافاً فقهياً بين علماء الأزهر، فمنهم من رأى أنها فتوى جريئة واجتهاد في فقه الأقليات يؤجر عليه صاحبه، ومنهم من رأى أنها لا تحقق شروط الزواج الذي أسسه الاستقرار وأنها تفتح الباب لاقامة علاقات محرمة باسم الإسلام، ومنهم من رأى أنها تحل مشكلة المسلمين في الغرب لكنها لا تصلح للتطبيق في المجتمعات المسلمة..

أما شيخ الأزهر فقد رفض التعليق على الفتوى وأحالها الى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر لدراستها وإصدار فتوى شرعية متكاملة حولها. وكانت وسائل الإعلام قد نقلت عن الشيخ الزنداني أنه أفتى بتحويل العلاقات الآثمة إلى زواج شرعي خوفاً من انتشار الفاحشة ودرءاً لمفاسد العلاقات المحرمة.

هذا الجدل حول البحث في هذه الصيغة التي ابتكرها عقل مجتهد، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.. فقبل سنوات كان الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، قد أفتى للطلبة المسلمين القاطنين في الغرب من أجل الدراسة أو العمل المؤقت.. بجواز الزواج من غير المسلمات هناك بنية الطلاق، منطلقا من ذات المبادئ التي شددت عليها فتوى الشيخ الزنداني.

هذا التطور في عقلية المجتهد، لم تكن مسألة مرتبطة فقط بفقه الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية.. فاليوم هناك أكثر من صيغة زواج تتم في ديار المسلمين وبين أظهرهم، كلها ترنو إلى شكل آخر من أشكال الزواج يقترب أو يبتعد عن شروط مؤسسة الزواج التقليدية.. فمن زواج المسيار إلى الزواج العرفي.. وكلها أشكال بغض النظر عن الاختلاف بين الفقهاء في درجة إجازتها.. إلا أن الثابت أن المجتمعات العربية والإسلامية تمر بتحولات جديرة بالقراءة المتأنية التي قد تشجع على أنماط من الزواج، قد لا تكون هي الصيغة القياسية أو التقليدية للزواج المتعارف عليها.. وان كانت تحظى بموافقة شرعية لاستكمالها شروط الزواج من مهر وقبول وإيجاب وإعلان.. مع أن الأخير تضيق دائرته أحيانا حد الاكتفاء بالشاهدين اللذين يضعان شهادتهما على عقد الزواج.

هذا المقال ليس مبحثاً فقهياً، فتلك من المسائل المعلومة والمعروف حدود الاختلاف أو الاتفاق فيها.. انه لا يعدو أن يكون قراءة تحاول تلمس قيمة أخرى لزواج يتجاوز حدود المؤسسة التقليدية.. الى حدود البحث عن معنى الزواج ضمن دائرة تختصر مسافات التقليد، والبنى التي ترتب علاقاته وحاجاته.. والتي استقرت كمفاهيم ثابتة ومصانة ومحروسة.. الى حد اكتشاف أن ثمة حالات خاصة قد لا تقوى على التعايش مع شروط الزواج التقليدي وأعبائه.. بمفهوم العنوان المنزلي والأسري والاستقرار المعيشي والارتباط اللصيق بما فيه من انبعاثات حالمة - قد تكون من تهويمات العشاق والباحثين عن المتعة الخاطفة، وقد تكون منطلقة من حاجات مقدرة ومعتبرة ومفهومة لا تخدش قداسة الزواج ولكنها تلائم حالة زوجين عاشقين (نموذج زواج فريند يجسد هذه الحالة بدقة).. حيث يلتقيان على ضفاف مؤسسة الزواج دون أن تستهلكهما هذه المؤسسة أو تفقدهما القدرة على اجتراح صيغة زواج أكثر ملاءمة لظروفهما.

الحقيقة الثابتة، التي لا يحب الكثيرون الاعتراف بها.. على الرغم من أن من مقاصد الشريعة الاستجابة لها، وبحث تطوراتها بما يحقق حفظ القيم الخمس الكبرى في حياة المرء المسلم.. إن المجتمعات تتغير، وظروفها وحاجتها تتحول ضمن دائرة المستجدات وعلاقاتها بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. الثبات على صيغة واحدة.. يعني في الحقيقة الجمود وممانعة التحول.. وهذا من المحال.. ومن هنا لابد من معاودة التفكير بنظرة واقعية، وإنسانية، تستجيب لحاجات الإنسان وظروفه، دون النظر إلى آليات أو تقاليد أو أعراف أو أنساق مستقرة وثابتة وكأن التحول عنها هو التحول عن المبدأ الذي تقوم عليه فكرة الزواج.

الهدف الكبير للزواج - بغض النظر عن اشكاله - هو الاستقرار النفسي والذهني والاجتماعي.. اما كيف يكون هذا الاستقرار، فهذه المسألة التي تحتاج الكثير من البحث، كم هي البيوت التي قامت على اعمدة زواج تقليدي صرف، ضمن انساق يعترف فيها المجتمع ويشدد عليها ومع ذلك أي مستوى من الاستقرار حققته.. المسألة تبدو أكثر تعقيداً من محاولة التنميط.. فثلث حالات الطلاق في مجتمع مثل مجتمعنا هي ثمرة ايضا لزواج تقليدي.. لم يمنع هذا النمط الذي يحتفل فيه المجتمع من الإعلان عن أن الاستقرار لم يكن سوى وهم في عقل التقليد.. ومن يرى أن زواجا آخر يتخذ صياغات أخرى هو نوع من التجاوز لقيم أو أعراف أو تقاليد أو حتى كرامات من يوافق على الارتباط ضمن صيغته القائمة اليوم حد الاخفاء أو الخجل.. عليه أن يعيد النظر في معنى الزواج أو الارتباط.. وأن يخضع كل هذا لتحولات المجتمع وتطور علاقاته ونشوء حاجات وحالات لم تكن في السابق ضمن خريطته الاجتماعية.

التسميات ليس لها معنى أمام تحقيق أهداف فضلى، والارتهان لحالة التقليد في ممارسة الحياة والاغتراف منها، ليست ضمن أولويات الاستقرار.. المعارضون لفكرة (زواج فريند) لا يرون أبعد من الأنماط التي عاشوا في ظلها وتربوا على أنها من الانساق التي لا يمكن تجاوزها.. والحديث عن بيت قائم وأسرة وأطفال لا يحجب بحال أن كل هذه العناصر ليست كافية لتحقيق ماهية الاستقرار.. والاستقرار بمفهومه الرتيب الجامد الآلي لا يعني في بعض الحالات - وأشدد على بعض الحالات - سوى التحول إلى ترس في عجلة تستهلكها عوامل التعرية والضغط والاحتكاك اليومي دون أن يلقى بعض ما يحتاجه من عناية تعيد اليه وهجه الأول وتقشع عنه بعض الصدأ وترتب انساقه وتجعله أكثر كفاءة وحبا ورغبة في ممارسة الحياة والاستمتاع بها.

ليست المسألة مقتصرة على فقه الجاليات أو الأقليات المسلمة بالغرب التي تجعل شيخاً خبيراً كالزنداني يجتهد في إباحة (زواج فريند) عوضا عن (البوي فرند).. ثمة مشكلات حقيقية تواجه شباب اليوم في أكثر من قطر عربي وإسلامي، وأمام ضغوط الحياة وصعوبة الاستجابة لشروط مؤسسة الزواج التقليدية، وتكاليفها المادية، وأعبائها الاقتصادية.. وأمام حاجات فطرية وجدانية لابد من اشباعها.. كان لا بد ايضاً من بحث هذه المسألة ومحاولة الخروج من شرنقة العلاقات الجنسية المحرمة الى حدود العلاقات المؤطرة بالمشروعية.. هذا من جانب، أما الجانب الآخر فهو في قدرة هذه الاختيارات الجديدة على الاستجابة لحالات ليست قليلة ولكنها خاصة ايضاً عنوانها ان ثمة حاجة لاستقلالية الطرفين/ الزوجين في مسائل حياتية عدة هذا من جانب ومن جانب ثمة اندماج روحي ووجداني بينهما.. الزمان والمكان ليس له معنى كبير هنا.. سوى في عقل التقليد.. وكلا الحالتين تؤطر ضمن مشروعية العلاقة وحدودها.. وإلا فإن الانفلات عوضا عن الامراض الاجتماعية والنفسية هي التي ستسيطر في نهاية الأمر تاركة الأسى يحفر أخاديد على نفوس مقموعة بشرطين، شرط التقليد الذي لا يأتي بالضرورة كما تشتهي سفن الراغبين في هذا الاستقرار، وشرط الكبت الذي يولد كل هذه الأمراض ويفاقم نتائجها.

في الغرب تم الالتفاف على المشكلات العاطفية والجنسية من خلال علاقات غير مشروعة، وتفشت تبعاً لذلك حالات الاسى والتمزق الاجتماعي والانهيار الأخلاقي.. لكن الإسلام نظم تلك العلاقات عبر أفق الزواج الذي يبدو مباحا كمسألة تعددية مشروطة، ومنظمة وفق عقد مشروع يرتقي بهذه العلاقة ويسمو بها.. لكن هذا الارتقاء والسمو ليس مشروطا وفق صيغة واحدة.. وهي مؤسسة الزواج التقليدية.. فهو هناك قد يكون زواجا شرعيا لكنه ضمن معادلة (زواج فريند).. وفي مكان ما قد يكون (زواج مسيار.. أو عرفي أو..) على أن بعض هذه التسميات تثير النفور.. وتلقي بظلال تشوه العلاقة الزوجية التي تبدو فقط حاضنة شهوة سائرة وعابرة سرعان ما تخبو وتنطفئ.

التمسك بالصيغة التقليدية للزواج ونعني بها كل مظاهر العلاقة المشتركة التي ليست جزءاً من موجبات صحة الزواج.. ليست قدرا محتوما، والخروج من اسارها أمراً ممكناً.. وحاجات وتحولات المجتمع كفيلة بقبولها ما أن تكون هي الحل لمشكلات يصعب مواجهتها دون اجتراح صيغة أكثر امكانية وأقرب للفطرة وأسلم للدين والعقيدة.

كل تلك التقاليد لم تمنع فكرة الزواج العرفي من الانتشار في بعض الاقطار العربية.. وهو في كل حالاته زواج مشروع وأن تحفظ عليه بعض الفقهاء لأسباب وأخرى من باب المصلحة العامة ودفع الضرر وحفظ حقوق الزوجة والأبناء.. لكن هذا يمكن تقنينه واشاعته عبر الاعتراف به دون التبرؤ من تبعاته. وزواج المسيار لم يتوقف لدينا لأن فقط ثمة شرائح اجتماعية واسعة تنفر منه وتعتبره إهانة ما بعدها إهانة لكرامة المرأة وتضييعا لحقوقها. بينما الحقيقة ان ثمة حالات خاصة تقبل وقد تستمزجه وقد تعتبره البديل المشروع عن كل وسيلة تؤدي إلى تفشي الأمراض النفسية و الاجتماعية والأخلاقية بين فئات من المجتمع تناسبها مقاربته. بشيء الجرأة في إخراج هذه القضايا إلى السطح ومعالجتها والتفاعل معها يمكن لنا أن نقدر قيمة الخروج من شرنقة التقليد الى حيز الاعتراف بمعنى الزواج دون الارتهان لشروط مؤسسة تقليدية لها من الايجابيات الكثير.. لكنها قد لا تكون دائما هي الحل الامثل لمشكلات أخرى أكثر أهمية.

لم يمنع هواة الزواج والطلاق والتجديد من انتهاك كرامة المرأة والاستهتار بمعنى المؤسسة، وهم لا يخرجون عن نطاق المتعارف عليه من شواهد الزواج وطقوسه ومناسباته.. فالمسألة ليست برنامجا يمكن الوثوق في تفاصيله.. بقدر ما هي حاجات متجددة وظروف متغيرة الاولى النظر اليها بعين الإنسان.. واكتشاف الشريك المناسب لهذا المشروع وتلمس قدرته على الاستمتاع بحياة كهذه بعيدا عن صخب التقاليد ونظرة الناس العطشى لحياة الإنسان الخاصة التي يقرر شكلها ولونها وطقوسها بنفسه ولنفسه.(زواج فريند) مصطلح مقتحم، ومفهوم اكثر اقتحاما في حياة المسلم في الغرب وقد يكون بين ظهراني أهله. المهم أن نتفهم معنى الحياة الزوجية لا أن نحاصرها في صيغة ثابتة وقياسية قد تصلح لكثيرين.. وهي الصيغة الأكثر امتثالا لمفهوم الزواج وغاياته.. لكنها قد لا تتحقق لآخرين.