يبدو أن طباخ الملك سعود السويسري ارنولد يتحدث عن عام 1969م عندما كان الملك سعود رحمه الله يقضي إجازته الصيفية مع اسرته في الطائف وكان الملك حسب رواية ارنولد في كتابه مذكرات هوسيه ارنولد يخرج مع اسرته وبعض حاشيته للاستمتاع برحلات قصيرة منتظمة في بساتين واودية جبال الطائف ومن ثم العودة الى حدائق القصر إذ استقبل الملك ذلك اليوم ضيفا مهما غير عربي (جون فيلبي) والذي كان في بدايات قدومه كما قال عنه مسؤولا عن البعثة البريطانية الى وسط المملكة عام 1917م واصبح لاحقا المدير العام المقيم لشركة الشرقية المحدودة في جدة ثم اهتدى الى الاسلام والتحق بخدمة الملك عبد العزيز واستقدم زوجته البريطانية وابنه اللذين اسلما ايضا والذي كان قد ابعد وعاش في المنفى على اثر بعض الوشايات الكاذبة وعند ما تولى الملك سعود العرش دعا فيلبي الى العودة تقديرا ووفاء منه نظير خدمته للملك عبدالعزيز وللوطن. عاد فيلبي وتزوج بعد فترة من فتاة سعودية انجبت له ولدين وعاش مع عائلته في كوخ حضري قرب الرياض واستأنف استكشافه للبلاد وشعبها.

بينما كان ارنولد وعبد الله فيلبي يتجاذبان الحديث في مجلس الملك بعد صلاة الظهر شد انشاد رنان بعيد الانتباه نحو الافق كان خيال على فرسه لا يكاد يرى, يقترب عدوا وصدى انشاده يطوف اعلى الهضاب مع كل خطوة يخطوها للأمام تقدم حراس الملك لاعتراض سبيله غير انه اخترق صفهم بفرسه الابيض المهيب قبل أن يتمكنوا من صده على ايماءة من سعود حتى دنا على بعد خطوات من الملك. استوى الخيال منتصبا على فرسه كان رجلا مسنا نحيل الظل حسب وصف ارنولد كان الرجل ببشرة مسمرة ابرزها بوقار شعره ولحيته الشائبين. صاح العجوز بصوت هاتف وقد رفع ذراعيه ولوح بسيف منحن بيده اليمنى: اين الملك؟ اريد رؤية مولاي.. ابغى رؤية وجهه الجليل وتقبيل جبينه, جئت للملك سعود لتقبيل رأسه وقدميه نيابة عن قبيلتي وتعبيرا عن حبنا له.

نهض الملك سعود من كرسيه ومشى ببطء الى العجوز رافعا يده لإيقاف الحرس المرتبكين الذين كانوا يطبقون على الزائر.

ايا صاحب الجلالة أيا خادم حرمي الله ورسوله.. جئت احييك باسم قومي قالها الرجل قبل ان يحييه الملك قائلا: انزل من فرسك فأهلا ومرحبا بك وبقبيلتك.

نزل الرجل المسن انسيابا عن فرسه وغرس سيفه في الرمل وهرع الى الملك ثم انحنى لتقبيله قبل ان يمنعه الملك ويطلب منه الوقوف.

انتصب البدوي واخذ يد الملك اليمنى وقبل ظاهرها ثم سحب ورقة مهترئة من حزامه وناولها الملك سعود. قرأ سكرتير الملك الورقة جهارا للملك كانت دعوة ممهورة بختم زعيم قبيلة العجوز يسأل فيها الملك سعود زيارتهم.

قال الملك مؤكدا سوف نزور مخيمكم وقومكم في الغد. ثم دعا الرجل ليحل ضيفا عليه وتناول الغداء.. جلس البدوي على السجادة الى جانب حاكمه لكنه كان مذهولا لدرجة أنه لم يأكل بل راح يحدق بالملك بإعجاب.

عند انتهاء الوجبة أخذ الرجل المسن الملك سعود بيده وقاده نحو فرسه. على الملك أن يقبل الفرس علامة على محبة القبيلة لحاكمها. تفحص الملك الفرس - وهو عربي صغير مرقط وعلى رأسه وعنقه رقش بني فاتح وأثنى عليه وشكر البدوي على لطفه ثم نادى الملك على سكرتيره وأمره بأن يحضر صرة من النقود من عند جوهر.. سلمها الملك للعجوز نحو 50 الف ريال طلب منه توزيعها على الحاضر من القبيلة. شكر البدوي مجددا على الفرس وامر حارسين باصطحاب العجوز الى مخيمه في احدى السيارات الملكية والمساعدة في الاعداد لزيارة الملك للقبيلة. قبل العجوز يد الملك مرة أخرى قبل ركوبه السيارة ثم رحل.

ويواصل ارنولد: فيما شاهدت السيارة المنطلقة سمعت فيلبي من الخلف يتحدث مع نفسه: نصر جديد للملك سعود. استدرت نحو فيلبي وأشار علي بالجلوس الى جانبه - تابع: كان مشهدا مؤثرا اليس كذلك"؟ خير مثال على طيبة الملك سعود.! ولكن ايضا على حكمته الاستثنائية الفاعلة – في الغد يزور مخيما آخر ويوزع مزيدا من المال لسد حاجات القبائل وسيحصل على الدعم المستمر من مجموعة أخرى من ابنائه المحبين.

سألت فيلبي بما معناه هل يقبل مثل ذلك في ثقافتنا الغربية؟ قال: المهم ان نهجه ونهج والده قبله ابقت على القبائل الكثيرة في بلاده متصالحة ووفية على مدى أكثر من ثلاثة عقود لم يقتدر أي حاكم قبلهم على جمع القبائل وكسب اخلاصها وولائها على ذلك. افترض ان ابناء الغرب ينظرون الى ممارسات مماثلة بازدراء. لكنها مختلفة كثيرا عن برنامج المعونة الخارجية التي تتبعها بلادك. على الارجح أنها أكثر فاعلية حتى ستقاتل قبائل آل سعود في سبيله وتموت بلا شك وتمنحه السمع والطاعة. لكني اشك أن تعمد البلدان التي تساعدها حكومتك الى القتال والتضحية في سبيل الولايات المتحدة يوما.

أردف فيلبي: ان كليهما يتمتع بخصال الرجل البسيط وكان والد الملك سعود ملكا لسنين على كومة من الرمال المدقعة فقرا واقتصرت حكمته على اساليب القتال الصحراوي وبحكمته وحنكته استطاع لم شمل قبائله عند ما اغتنى.

مخيم الملك سعود