في تلك الليلة قبيل دخول شهر رمضان اكتشف المستشرق البريطاني توماس أن إحدى النوق في قافلته كانت تعاني من مرض مهلك وكانت الطريقة الوحيدة للتعامل مع الجمل المريض هي ذبحه وتناول لحمه، كانت الفاطر العجوز تحمل بحسب وصفه الخاتم القبلي "الوسم" ويعني أنها من أصل جنابي وقد كانت ذلولاً "ركوب" وكذلك سيدة تتمتع بمنزلة رفيعة كجزء من مغانم إحدى الغزوات. سأل خويتم ذات مرة، وهو أول رسول عمل لديه وأحد أبناء قبيلة الراشد التي استقرت الآن في ظفار قائلاً: كيف تصف لحم الجمل مقارنة بلحم البقر؟ فقال: إنه أفضل بكثير.. وماذا عن لحم الضأن؟ - أجاب يفتقر لنكهة لحم الجمل المميزة فسأله. ما هي أجزاء لحم الجمل الألذ طعماً؟ قال بالنسبة للقعود "الجمل الصغير" فالأجزاء السفلية هي الألذ طعماً. وماذا عن لحم نخاع عظم الفخذ؟ رد: إنه من أطايب اللحم، انظر وستتبين بنفسك. فسأله مرة أخرى وكيف ستطهو لحم الجمل.. على نار خفيفة.. أم ستشويه؟ إذ من الممكن شي اللحم بطريقة العصر الحجري وذلك بجمع كمية من الحجارة من السهل العشبي الواسع أجابه قائلاً: سنسلق اللحم ولكن ليس لدينا ملح للأسف وأقسم لو توفر الملح لحكم عليه بما يستحق.

حادث توماس نفسه "آه.. يا للمحب الأعمى!" أما رأيي الشخصي فإن لحم الجمل عسير المضغ مليء بالألياف وعندما يسلق ولا مفر من سلقه في ماء مالح قليلاً ودون إضافات دهون أو سمن فإنه يسبب عسر هضم ويسدد لطمة لحاسة الذوق.

سيقت الناقة "بنت شنتوف" المسكينة إلى مكان حتفها ثم حفرت حفرتان في الرمال تحت قوائمها الأمامية الموثقة وقام بدوي بمسكها من ذيلها وآخر بجذب شفتها العلوية لإجبارها على الرجوع برأسها إلى الخلف ليغدو بمحاذاة جسدها وهو وضع يفقدها القدرة على المقاومة.. شحذ محمد الذي كان يتقن فن الجزارة أكثر من طرد الأرواح الشريرة جنبيته خصيصاً لذبح الناقة فانحنى على الأرض وعلى الجانب الذي لا تستطيع الناقة رؤيته منه وسدد طعنة نجلاء إلى منتصف عنقها الذي انبثق منه نهر من الدماء. بينما انهمك محمد بشق رقبتها من الوريد إلى الوريد وهو يردد اسم الله ثم مضى في غرس نصل جنبيته وشق عروقها وقصبتها الهوائية حتى وصل إلى العظم. وكانت كفاه ويداه تقطر دماً، ترنحت الناقة بيأس وأصدرت عدة نخرات وقرقرات واهية ثم هوت راقدة بلا حراك وقد تدلى عنقها الضخم إلى جانبها كجذع شجرة ساقطة تعلو عينيها نظرة زجاجية جامدة.

وأضاف: لم أر في حياتي، والقول لتوماس جماعة البدو في موقف أكثر فرحاً وابتهاجاً من هذا الموقف، فترقب وجبة طعام دسمة أصابهم بحمى الاهتياج والفرح العارم، فهبوا يسلخون ويقطعون من لحم الناقة بفؤوسهم الصغيرة وسكاكينهم وسرعان ما تراكمت خمسة أكوام من اللحم الطازج فوق الرمال بعدد مجموعات القافلة.

أُطلقت صرخة ابتهاج عند حلول لحظة سحب القرعة وفق عرف الصحراء، تقدم خمسة ممثلين عن كل مجموعة من البدو في المخيم ثم جيء بغطاء رأس ووضع كل ممثل حزام طلقاته بعد أن وضع عليه علامة مميزة، ثم ضمت أطراف غطاء الرأس معاً ورجت عدة مرات لخلطها، قام بعدها أحدهم بسحب أحد الأحزمة من الصرة بصورة عشوائية، وما إن سحب حزام الطلقات أحد البدو حتى حصل صاحب الحزام على حق انتقاء الكومة المفضلة له من اللحم، تكررت العملية أربع مرات وعند سحب آخر حزام كانت آخر قطعة من بنت شنتوف قد اختفت وانتشر البدو بعد ذلك باحثين بلهفة عن حطب للشواء والطهي.

إن سيكولوجية العرب والمناخ الصحراوي الحارق كما يقول يحولان دون التأخر في طهي اللحم، فالناقة التي سارت إلى مكان حتفها قبل ساعة من الزمن باتت الآن تتقلب على جمر المواقد وتتساقط منها الدهون مصدرة نشيشاً محبباً ورائحة شواء تسر قلوب وأنوف أولئك المتحلقين حولها بلهفة ينتظرون لحظة التهامها.

بالطبع لم يتم التهام بنت شنتوف بالكامل لأن قدراً كبيراً من اللحم سيتم حفظه لسد النقص، مؤنة الطريق كان رفاقه البدو سيقطعون شرائح رفيعة طولية من اللحم الفائض ثم يجففونها كاللحم المقدد بتعليقها على سروجهم وبين لحظة وأخرى يتذوقون قضمة منها متباهين بروعة مذاقها.

ما إن انتهت صلاة العصر حتى انقضوا على معدة الناقة "الكرش" الكبيرة اللامعة ووضعوها فوق شجيرات عبل كثيفة الأغصان وحفروا تحتها حفرة دائرية بقطر ياردة واحدة، ثم بطنوها بجلد عنق بنت شنتوف لمنع تسرب السائل، قاموا بعدها بثقب مثانة بنت شنتوف فوق الحفرة حتى سالت محتوياتها مكونة بركة من السائل الأصفر، حبا بعدها البدو على أيديهم وأرجلهم وبدؤوا بارتشاف ذلك السائل من البركة مؤكدين أنه ألذ بكثير من مياه الصحراء الملحي.

لم أبرح مكاني فجراً حسب قوله لكن خادمي محمد أخبرني بأنه ما إن استيقظ البدو على صوت المؤذن لصلاة الفجر، حتى اندفعوا بابتهاج للارتشاف من "الفض" سائل المعدة البائت قبل أن يصطفوا للصلاة.

بعض مرافقي الرحالة يؤدون الصلاة
ركايب بالدشن التقليدي من تصوير الرحالة