سوف أحاول في هذه السطور المعدودة الإجابة عن التساؤلات التي أثارتها مبادرة الصين "حزام واحد وطريق واحد" والتي دعت بكين إليها يوم السبت الماضي رؤساء وممثلين عن حكومات 28 بلدًا. وأتمنى أن يساعدني زملائي القراء.

إن أول ما يلفت الانتباه في هذه المبادرة هو تصادف الإعلان عنها عام 2013 مع توجه الرئيس الأميركي أوباما في ولايته الثانية للالتفاف على الصين. ولذا فإن هذه المبادرة التي تستهدف فتح ممرات برية واقتصادية تربط 60 بلدًا ربما تكون رد الصين في حال فرض البحرية الأميركية المتفوقة حصارا بحريا عليها. فمركز الثقل في هذه المبادرة هو الحزام وليس الطريق.

ولكن المبادرة الصينية، على ما يبدو لي، تذهب إلى أبعد من ذلك. فهذه المبادرة تأتي والعالم على أبواب تحولات اقتصادية كبيرة وتغيرات جيوسياسية ضخمة. ولذلك فإنها، إذا ما كتب لها النجاح، ربما تضع الصين في النظام العالمي الذي سوف يتشكل خلال الـ 30 عامًا القادمة في الموقع الذي احتلته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.

الأمر الآخر هو الحجم الكبير للاستثمارات الصينية في سندات الخزينة الأميركية والذي وصل في العالم الماضي إلى 1.244 تريليون دولار. فهذا الرقم الضخم للاستثمارات في صندوق واحد أصبح يثير المخاوف من تعرضها إلى مالا يُرغب فيه. خاصة وأن رفع سقف الدين العام الأميركي في الأعوام الأخيرة صار مدعاة للقلق من الوصول إلى عدم التمكن على السداد. ولهذا فإن الصين ربما ترى، رغم أمان هذا النوع من الاستثمارات، أن الحكمة تقتضي عدم وضع البيض كله في سلة واحدة. فتوظيف رؤوس أموالها في الطريق والحزام يعطيها الفرصة لاستثمار فائض ما لديها في غير السندات.

إن المبادرة الصينية سوف تربط اقتصاد البلدان التي تشملها المبادرة بالاقتصاد الصيني. وهي من هذه الناحية تشبه مشروع مارشال الأميركي الذي نهض بأوروبا والولايات المتحدة. فالاستثمارات الصينية في البنية التحتية لـ 60 بلدا سوف تمنع تراجع وتأثر نمو الاقتصاد الصيني لأن مشروعات البنية التحتية في تلك البلدان تحتاج إلى فائض الإنتاج الصيني مثل الفولاذ الذي تنتج منه 1,1 مليار طن سنويا، ولكنها لا تستهلك منه داخليا إلا 800 مليون طن.

غير أن أهم الأسئلة هنا هو: بأي عملة سوف يمول بها "البنك الآسيوي للاستثمارات في البنية التحتية" تلك المشروعات. فإذا تم الأمر باليوان الصيني فإن ذلك سوف يعني أن الصين قد اختارت الطريق والحزام كوسيلة من أجل الصعود بعملتها إلى مصاف العملات العالمية الصعبة إن لم يكن إلى صدارتها.