خرجوا من المدرسة في آخر يوم دراسي ومزّقوا كتبهم ودفاترهم وبعثروها أمام المدرسة.

أفرغوا غضبهم البريء بطريقة جد مسالمة أمام الرّأي العام الذي تجاهل طيلة سنوات رداءة البرنامج المدرسي، وطريقة التدريس البائسة التي يتعلم بها هؤلاء الأطفال كيف يواجهون عالما متطورا، يرونه بوضوح عبر شاشات التلفزيون، وشبكات الإنترنت بتنوعها، ولا يراه الكبار.

عوقب مدير مدرسة سعودية بإقالته، والصراحة أني تعاطفت معه، لأن ما قام به التلاميذ ليس احتجاجا على المدير بل على المنظومة التربوية. ولا أدري هل عليّ إرضاء ضميري والحديث في الموضوع بحكم أني عشته وخبرته منذ طفولتي، أم أسكت من باب أن السعودية للسعوديين، وأكتفي بالكتابة في مواضيع أدبية لا تهم سوى النخبة؟ وأتظاهر أني لم أر ولم أسمع و لم أتأثر؟؟؟

عشت ظاهرة تمزيق الكتب لأول مرة وأنا في الرّابعة عشرة، وتكررت كل سنة عند ختام الموسم المدرسي، والغريب أن وزير التعليم آنذاك والذي جثم على قلوبنا لمدة ربع قرن تأقلم مع الظاهرة، وكأنّها جزء من ذلك الكرنفال التعليمي شبه الميت الذي ابتلعناه غصبا عنا، وتقبلنا عواقبه الوخيمة في صمت، حين كبر الأطفال الغاضبون ومارسوا غضبهم على المجتمع كله، وعشنا حينها ما سمي بالعشرية السوداء.

يجب أن نفهم أن ظاهرة تمزيق الكتب، مجرّد ناقوس خطر ناعم، يدق باكرا، لتصحيح ما يمكن تصحيحه، قبل استفحال الظاهرة وتطورها، ولمن لا يعرف إلى أين ستصل سأخبركم أنها ستصل إلى الاعتداء على الأساتذة أنفسهم في آخر يوم مدرسي، بحيث يقذف التلاميذ أساتذتهم بالبيض والطماطم والحجارة، وتقذف المعلمات على وجه الخصوص بنقمة وأحقاد مضاعفة. وقد تُحرق بعض المدارس احتجاجا، ودون خوف من العقاب مهما كان قاسيا، لأن خريج المدرسة نفسها تعرّض خلال مرحلة التعليم لكل أشكال العقاب المعنوي التي شحنته ليتحوّل إلى "وحش صغير"...! وقد عشت كل هذه الظواهر في الجزائر ورأيتها بأم عيني.

الظاهرة التي استاء منها السعوديون لا تزال في بدايتها، وبالإمكان علاجها مبكرا، بأساليب أسهل وأنجع من إقالة مدير، وعقابه بشكل انفرادي. فما ذنب المدير إذا كانت الظاهرة وليدة منظومة كاملة وليست من صناعة يديه؟

داخل تلك المدارس التي لا تبهج النّاظرين، ولا تقدم للتلميذ معارف بحجم تطورات العصر، يوجد سر هذا الغضب، فلا بأس من جمع مديري المدارس بمختصين نفسيين واجتماعيين لفهم الظاهرة وطرق معالجتها، ولا بأس من إعطاء فرصة للتلاميذ لصرف طاقتهم في المنافسات الرياضية والثقافية بين المدارس والمناطق، ومشاهدة أفلام جميلة تثقيفية، والعمل على فتح حصص للقراءة والاطلاع على الآداب العالمية، وخلق أجواء حماسية، عن طريق أساتذة يعاملون التلميذ بمحبة ومرح، لا بقبضة من حديد وكأن الأستاذ حارس في سجن، أو في مستشفى أمراض عقلية.

لا بأس من العفو على المدير يا معالي الوزير، لأن هذا القرار مكافأة للتلميذ الغاضب، وتشجيع له ليمزق مزيدا من الكتب للتنكيل بمديري وأساتذة يمثلون بالنسبة له منظومة لا تعجبه.

و إن كانت ساعة الغضب ليس لها عقارب، فإن ساعة الحليم تصلح المآرب. وليس من عادة الكرام سرعة الانتقام، ولا من شروط الكرام إزالة النعم.