من الضروري التأكيد هنا على أهمية هذه الزيارة التي يقوم بها الرئيس الأميركي "ترامب" للمملكة كأول زيارة خارجية له، فالمنطقة المثقلة بالقضايا السياسية والاقتصادية تحتاج إلى لاعبين أقوياء يتحملون المسؤولية الأقليمية باقتدار ويواجهون الطامحين في الهيمنة على المنطقة. المملكة بكل ثقلها التاريخي والديني والاقتصادي والسياسي مؤهلة كي تكون عامل التوازن الرئيس وهو الأمر الذي يجعل لهذه الزيارة في هذا التوقيت بالذات قيمة استراتيجية كبيرة. من جهة أخرى العلاقات السعودية الطويلة والعميقة في كافة المجالات مؤهلة كي تكون محركاً دائماً للتجديد السياسي في المنطقة فهذه العلاقات وإن مرت بفترات فتور إلا أنها تظل حية ومتجددة على الدوام.

التحول الوطني ورؤية 2030 والانتقال من دولة الرعوية إلى دولة الإنتاج والاعتماد على مهارة وإنتاج المواطن. كل هذا يجعل من البعد الاقتصادي الاستراتيجي لهذه الزيارة بمثابة المؤشر التحفيزي الذي يجعل من زيارة الرئيس الأميركي وما سينتج عنها من مشروعات اقتصادية تحظى بقيمة مضاعفة على المستوى الداخلي ومستوى العلاقات الاقتصادية الخارجية

أول ما يتبادر إلى الذهن هو لماذا المملكة ولماذا الآن؟ والحقيقة أن هناك أسئلة كثيرة متدافعة يثيرها الكثيرون الذين يعتقدون أنهم الأكثر استحقاقاً لهذه الزيارة، كونهم الأقدم الذين لعبوا أدواراً تاريخية جعلتهم يعتقدون أنه حق مكتسب لهم فصاروا يستكثرون على المملكة هذا الدور المؤثر (رغم أن المملكة كانت لاعباً أساسياً في المنطقة منذ تأسيسها). ومع ذلك نحن لسنا بصدد المقارنة مع الغير لأن المهمة صعبة وتتطلب حنكة سياسية عُرفت بها بلادنا للتعامل مع المخاطر الكبيرة التي تحيط بِنَا. لا نحتاج تزكية من أحد لكننا تعلمنا أن نعمل بروح الفريق.

خلال تاريخنا السياسي الحديث لم نعمل بشكل منفرد وهذه سياسة توحيدية إقليمية جعلت المملكة دائماً في قلب الحدث تقوده مرات وتعمل ضمن الفريق مرات أخرى، شكلنا أحلافاً وصنعنا جبهات حققت التوازن في منطقتنا طوال الثمانين عاماً الأخيرة وهذا ما تعرفه الإدارة الأميركية جيداً، لذلك من يعتقد أن اختيار الرئيس الأميركي للمملكة كأول محطة له مستغرب هو واهم ولا يعرف التاريخ الجيوسياسي للشرق الأوسط الذي يحتاج لاعبين لديهم قدرة على العمل لا مجرد عقد الاتفاقات.

نحن بحاجة إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة ومواجهة المد الإيراني المثير للطائفية والقلاقل. وكما ذكر سمو ولي ولي العهد لن ننتظر أن تنقل إيران الحرب إلى أعتاب بيوتنا، فإما أن ترتدع وتعرف كيف تتعايش مع جيرانها بسلام أو تواجهك قوة إقليمية توقفها عند حدها. نحن لسنا دعاة حرب بل جميع من يعرفنا متيقن أننا دعاة سلام لكن القوة مهمة لتحقيق السلام وفي اعتقادي أن هذه الزيارة هي تمكين لهذه القوة. فليست هذه المرة الاولى التي نشكل فيها مع الحليف الأميركي قوة رادعة تصنع التوازن. لا تعتدي ولكنها تردع المعتدي وتوقفه عند حده.

الأمر المهم بالنسبة لنا هو أن الزيارة تأتي ونحن على مفصل تحول كبير. التحول الوطني ورؤية 2030 والانتقال من دولة الرعوية إلى دولة الإنتاج والاعتماد على مهارة وإنتاج المواطن. كل هذا يجعل من البعد الاقتصادي الاستراتيجي لهذه الزيارة بمثابة المؤشر التحفيزي الذي يجعل من زيارة الرئيس الأميركي وما سينتج عنها من مشروعات اقتصادية تحظى بقيمة مضاعفة على المستوى الداخلي ومستوى العلاقات الاقتصادية الخارجية.

المكاسب كبيرة ومتعددة من هذه الزيارة المهمة. لكن الأهم والأذكى هو أن المملكة استثمرتها لتمتين تحالفاتها الإقليمية. فبلادنا تشعر بمسؤولياتها الكبيرة وتمارس دور الشقيقة الكبرى التي تجمع الجميع تحت مظلتها لذلك لم يكن مستغرباً ان تكون زيارة الرئيس الأميركي فرصة لقمة خليجية وعربية إسلامية مع هذا الشريك القوي والمؤثر.

يجب أن نستشعر هذا التحول الكبير الذي تعيشه بلادنا على المستوى السياسي والاقتصادي والأهم من ذلك أن نكون جزءاً من هذا التحول وداعمين له. هذا ما تفعله الشعوب الحية التي تشعر بمسؤولياتها. الدور الجديد الذي تقوم به بلادنا يتطلب دوراً جديدًا لكل مواطن يوازي هذا الدور ويعزز من تأثيره.