هكذا هو الموت يأتي فجاءة حتى ولو كنا مستعدين له، يأتي على حين غرة رغم أننا نتوقعه، يدخل بدون أن يطرق الأبواب يتجه بسرعة البرق إلى قلوب من نحبهم ويحبوننا إلى أفئدتهم وأفئدتنا يسرقهم منا، يرفض أن يمنحنا المزيد من الثواني لنعانقهم أو لنطرب لحديثهم أو نهيم في ضحكاتهم.

يتركنا فقط برفقة كومة من الذكريات ومع سنين تمر كاللحظات يكونون هم أبطالها وهم العنصر المميز فيها بل إنهم من الركائز الرئيسية التي ساهمت في تكون حاضرنا ومستقبلنا، هو يخطفهم منا وذكرياتهم تخلدهم فينا لأنها تدرك أننا نشتاق وسنشتاق إليهم.

مرارة الكتابة عن الغائب لا ينقصها شيء من المعاناة إلا إذا ما قورنت بالكتابة عن الغياب نفسه فكلاهما يمزق شريط ذكرياتنا وكلاهما يبدأ في تكوين صور من الماضي أمام مخيلتنا تجعلنا عاجزين حتى عن التفكير فيما سنكتب أو فيما سنفكر، مشكلة الحزن أنه يشل قدرتنا على إبداء المشاعر فالمشاعر كلها تقف عند الموت فهو الفقد الأبدي ونقطة اللاعودة، مهمة الكتابة تزداد صعوبة حين يكون الغائب تركي السديري والغياب له، فغيابه موجع وفقده مؤلم.

أستاذي، ما زلت أتذكر جيداً مقابلتي الأولى معك وكيف كانت كلماتك منذ البدايات واضحة بأن مهنة المتاعب لا تقبل بأنصاف الصحفيين وحينها قلت لي إنها أخذت منك الكثير وقتها لم أستوعب ذلك ولم أفهم معنى حديثك، وما زلت أتذكر موقفك معي وسؤالك الدائم عني خلال ابتعاثي ولن يمحى من ذاكرتي مزاحك الدائم وسؤالك المتكرر عني كل صباح حتى في إجازاتي ولن تمل أذني من تذكر ضحكتك ولن تنسى عيني ذلك الجسد النحيل الزائر كل صباح للقسم لسؤال كل موظف عن أحواله.

مهما حاول النسيان فلن ينجح فأنت محفور في ذاكرة الوطن وذاكرة التاريخ وهما ذاكرتان لا يعتريهما الصدأ.

*مدير إدارة الإعلام الإلكتروني