يتصور بعض الناس أن البحث العلمي لا يكون مفيدا للمجتمعات إلا إذا كانت له تطبيقات قابلة للاستخدام على الفور. وأقل ما يُقال عن هذا التصور هو أنه قاصر، فالبحث العلمي في جوهره هو طريقة يختبر بها الباحث فرضيات ويحاول الوصول إلى المعرفة. وإذا وصل إلى المعرفة، فقد تتحول تلك المعرفة إلى تطبيقات أو تبقى مجرد معلومة في رصيد البشر المعرفي!

والواقع هو أن معظم الأبحاث العلمية لا تصل إلى نتائج إيجابية أو إلى نتائج قابلة إلى التطبيق الفوري، وإلا لأصبحت الجوائز العلمية الكبرى جوائز يومية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن البحث العلمي يظل قادرا على خدمة المجتمع! وخصوصا إذا كان المجتمع -بسوق عمله ومؤسساته وأفراده- يدرك أهمية البحث العلمي في تأهيل الباحثين -وخصوصا طلبة الدراسات العليا- بمهارات عالية وقابلة للتطبيق الفوري.

مثلا، كثير من الأبحاث العلمية اليوم تعتمد اعتمادا كاملا على مهارة تحليل البيانات، وعادة ما تكون تلك البيانات معقدة وضخمة. وهذه المهارة مفيدة لسوق العمل في عصرنا هذا الذي يعد عصر البيانات. وهذه مهارة يمكن تحوريها من تخصص لآخر. فالذي يستطيع أن يحلل بيانات فضائية، قادر على تحليل بيانات مالية!

البحث العلمي يعزز لدى الطلبة المهارات العقلية العليا: كالتحليل والابتكار والتقييم. فالباحث الصغير يبدأ جاهلا في مجاله، ثم يصبح خبيرا فيه. وهذه العلمية لا تكتمل إلا بعد بناء مجموعة من المهارات المفيدة والقابلة للتحوير إلى تخصصات ونطاقات عملية أخرى. لذلك تجد الكثير من شركات الاستشارات في العالم تستقطب المؤهلين بدرجة الدكتوراه في أي مجال علمي.

على أية حال، الفرق بين المجتمعات المتطورة والناشئة هو أن سوق العمل في المجتمعات المتطورة يدرك جيدا ما للبحث العلمي من قدرة على تأهيل الأشخاص. وهي مجتمعات لا تجد فيها تقديسا للبقاء حتى نهاية العمر في نفس التخصص، بل إن التركيز يكون على اكتساب وتبادل المهارات.

أما المجتمعات الناشئة فهي بحاجة إلى توعية كبيرة في هذا الجانب. وهذه التوعية ينبغي أن تمتد من سوق العمل إلى الباحث نفسه. فالذي يحمل درجة الدكتوراه -أي مر برحلة عناء في البحث العلمي- في الرياضيات أو الفيزياء أو أي من مجالات العلوم الطبيعة هو شخص قادر على أن يصنع فارقا لأي شركة، وقادر على استخدام مهاراته العليا في غير تخصصه الدقيق.

عموما، لا يمكن للبحث العلمي أن يخدم المجتمع بالطريقة التي ذكرتها إذا لم يكن الباحث أمينا وجادا في مشواره العلمي.