تركي السديري، لن يكون يوم وفاته حدثا عاديا، أو حدث موت يستدعي دموع الفقد والغياب، ولكنه حدث يختبر قدرات من أراد أن يجرب لغة كتابته في الرثاء، فرثاء الكتابة أمر يصعب على الكتاب، وفقد أبوعبدالله حدث صعب مثل ماكانت حياته صعبة في تحدياتها وعطائها وتضحياتها وعنادها.. يتحدى للوطن وبالوطن ويعطيه كل مايملك من طاقة وله ضحى بمصالحه وصداقاته، نافس خصومة بتضحية لهذا الوطن العزيز..

يتميز تركي السديري بنبل يمكن أن تسميه "نبلا وطنيا" لم ينحاز لمنطقة في المملكة على منطقة أو طائفة على طائفة، كان سعودي التوجه والإنجاز، فلم يسمح يوما أن تصف سعوديا بأنه من هذه المنطقة أو هذه الطائفة، فلغة الإقصاء مرفوضة في قاموس تركي الوطني، حاول الكثير أن يستدرجوا أبوعبدالله لعنصريتهم ولكنهم فشلوا في كل المحاولات، وحاول أيضا الكثير تقليد أبوعبدالله بحياده وفشلوا، فالحياد من أجل الوطن ضمير وتربية لا تأتي بالطلب، فقد بنى الفقيد الغالي مساره المهني على أساس وطني يرفض التصنيفات المناطقية والقبلية، كن سعوديا أصيلا تكن قريبا من قلب أبو عبدالله..

الخبر الجيد عند أبو عبدالله هو الخبر الذي يقدم السعودية بشكل يليق بتاريخها وإنجازاتها، فقد كان حريصا أن يكون الكاتب وخاصة الذي يكتب في السياسة يعرف تاريخ المملكة جيدا، فعينه كانت تتوجه دائما للبدايات في التاريخ، ومنها يقيس الإنجاز والتطور، وكثيرا ما كان يردد هل نحن نسير إلى الأمام أم العكس؟ فما دام أننا نتقدم تنمويا وحضاريا إذا نحن في الطريق الصحيح، وله في هذا الميدان معارك صحفية مع بعض الكتاب العرب، فكان يقول: نحن نتقدم بالأفعال، وهم تقدموا بالبلاغة والكلام..

تركي السديري مسيرة تاريخ، تاريخ صحافة وتنمية وتحديات ومنافسات، حاول البعض في الآونة الأخيرة اختصار إنجازاته، فكان رثاءه من زملاء المهنة، خطابا منصفا يصعب على الاختصار.. الجانب الإنساني في شخصية تركي يشبه تماما صحيفته "الرياض"، ساعدت الضعيف وأنصفته واستبعدت العنصري، وقدمت المرأة وفتحت طريق الإنجاز أمامها، فصحيفة "الرياض" هي شخصية تركي السديري.. اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم اغفر له.