ذات صباحٍ بعيد كانت القصيدة:

"صباحُ الرياض"

ثقافةُ يوم الخميس

مقالة (تركي السديري)

(لقاء) النصوص لدي

يدي في يدي

كفوضى غريب فقير

وفي صباحٍ جديدٍ جاءنا يوم أمس.. تحمل عوادمه الغياب، وصيفه الفراق وحقيقته الرحيل.. ترجّل "تركي السديري" عن ذلك الـ(لقاء) اليومي الذي اعتدنا منه مراجعة ظلالنا ومناقشة أيامنا وحوار الحياة فينا..

أكثر من أربعة عقود من الضوء…

وهو موسوعة تحرير.. وخارطة صحافة.. وقائد قلم

تربّى على "الرياض" ولها.. عاش فيها عمره الأثير منحها طموحه الرؤيوي فوهبته التاريخ

كما يكتبه العظماء..

تركي بن عبدالله السديري منارة الصحافة ونظّارة الحروف ومرآة الحضور.. هو سيرة جيل

وفنار تاريخ ووقفة زمن.

راهن دائماً على المستقبل حتى سبقه استشرافًا.. فعاش دائماً غده قبل يومه وحين نتذاكر أمسه يبقى "لقاء"ه بنا ظلاً يكفيه مؤونة الذكرى ومثوبة الإخلاص في الحياة حتى ترجّل عنا وهو يتفيّأ الواقع، ويرحل ممسكاً بقلمه الدؤوب حيث ظلّ يبحث دائماً في مناكب الحياة عن أسماء أخرى ليتركها بعده ترتشف الضوء من منارات الفرص التي وهبها دائماً لكل من استحقها في حياته.

تركي السديري رجل صحافة.. وقائد مرحلة.. وسيرة زمن مكتوب ومحطّاتٍ لا يتجاوزها العابرون في شوارع الصحافة..

لا تتمعن في بلاط صاحبة الجلالة.. إلا وتجد فيه نقوشًا "سديرية" ولا تسأل الحروف عن أسمائها إلا وتجد لها "لقاء" معه.. ورحلة برفقته ومدينة زارها يوماً يحمل فيها هم الآخرين.

ظلّ صارماً في "إدارته" رفيقاً بالطامحين وآخذًا بأيديهم إلى مسافات أبعد من أحلامهم..

فلا تستعرض قائمة لكتابنا إلا وتجد أجملهم مرّ من هنا وأصدقهم صافح كفّيه يوماً فأثمر ضوءًا..

مررت على تاريخه ككثيرين غيري حين يفاجئنا الفقد وتتوخّانا الفجيعة فما لقيته إلا أبًا للجميع

يغضب لهم لا عليهم ويخاصم إخفاقهم لا يخاصمهم ويقسو على فشلهم حينما لا يرى فيهم إلا النجاح.

بملامحه شاب كبر لشبابه.. وكبير تربّى على رؤاه حتى سار بأحلامه.. وبلغ ما أراد لنا…

رحل قبل أن يكتب سيرته ربما ليكتبها التاريخ بعده.. أو ربما كتبته الحياة لنا وقدّمته على طبقٍ من ضوء، فهو أطول من الزمن وأعرق من استعراضه..

تركي السديري "لقاء" الحرف بالحرفة، والإدارة بالرؤيا، والثقة بالتميز، والمتابعة بالاستمرار، وأخيرًا الرحيل بالمقام، والغياب بالحضور..

هو ذاكرة صحيفة.. وسيرة صحافة.. حريّة الجراءة.. كما أنه جراءة الحريّة..

أول المنتمين إلى الضوء.. وآخر الواقفين له.. ظل دائمًا

تركي السديري.. رحل حيث تكون الصحافة سيرةً لا تنتهي، والموت ذاكرة أبقى.. رحل

ربما لن ننتظر "لقاء" مجدّدًا.. لكننا حتما ندرك أنا أعددنا دائما لــ(لقاءٍ) أخلد من فراق..

رحم الله الوالد الضوء تركي السديري وعوّضنا عنه بما أبقاه لنا من إرث "صحافي وثقافي" لا ينفد.