يكشف كتاب «حداثة النص الشعري في المملكة العربية السعودية» للناقد الدكتور عبدالله بن أحمد الفيفي والذي حاز به على جائزة النادي الأدبي بالرياض للدراسات في الشعر السعودي عن قدرة المؤلف العالية في تعامله مع نصوص شعرية كانت وقودا للحراك النقدي في مشهدنا الثقافي لسنوات طويلة ويبرز ملامح خارطة التطور في قصيدة الحداثة مشيرا إلى الجوانب الفنية لأهم الأصوات الشعرية التي كانت سادنة لهذا الفن وشاركه في رسم المشهد الثقافي، ويلقي الناقد الفيفي الضوء على جوانب من شعرية المكان وصوره الشعرية، إضافة إلى شعرية العنونة والبنية اللغوية، كما يسعى إلى ابرازها ظاهرة التناص وتوظيف التراث في النص الشعري الجديد، كما يفتح النار على قصيدة النثر ويؤكد هويتها النثرية وينعتها بالقصيدة المكتوبة بالنثر.

«ثقافة الخميس» باركت للناقد عبدالله الفيفي فوزه بالجائزة وتحاورت مع منجزه الجديد..

٭ حصرت في كتابك «حداثة النص الشعري» التجديد والتحديث في قصيدة التفعلية وقصيدة النثر، وأقصيت القصيدة الخليلية «العمودية» على الرغم من انها حملت شروط التحديث ومضامين التجديد، ما سر هذا الاقصاء؟

  • الحداثة لا تنبثق من الشكل الفني، إلا أن أريد أن يكون تعريفنا للحداثة سقما نقيضا للتعريف القديم السقيم للشعر بأنه: «الكلام الموزون المثقفي»، بحيث يصبح تعريف الحداثة بالمقابل بأنها: «الكلام الموزون المقفى»، وهذا ما يقع فيه كثير من متعاطي الحديث عن الحداثة، عن جهل، أو تعصب، فترى أحدهم يصنف القصيدة لمجرد كونها موزونة في التقليدي، ويهش ويبش لمجرد تنصل القصيدة عن الوزن، وربما يجري دراسة يدشن بها فتحا جديدا أنجزه ذلك النص! لست من هؤلاء ولا من أولئك، لا شاعراً ولا ناقداً، لقد تحدثت في كتابي عن القصيدة التفعيلية، وتحدثت عما أسميه (قصيدة التفعيلات) - وهي تلك التي لا يتقيد ايقاعها بالتفعيلة الواحدة، بل ينداح في موسيقى الشعر العربي، ليبتدع أشكالا حسب التجربة، فيمزج الشاعر فيها نظاما تفعيليا بآخر - ثم تطرقت إلى قصيدة النثر، وإن لم أتوقف عندها الا نظريا، لعدم اقتناعي بأنها قد أنجزت لدينا - في الفترة محل الدراسة - مستواها الفني المنشود، ولم يكن هناك تعمد لاقصاء القصيدة البيتية، كما يومئ السؤال، إلا أن السواد الأعظم من النماذج التي وقفت عليها للشعراء في المملكة لم تصل بعد إلى مثل ما وصلت اليه مثلا قصيدة عبدالله البردوني، أو بعض نصوص سعدي يوسف، من حداثة تتخطى التغيير الشكلي إلى تحديث نسيج القصيدة الداخلي، لغويا ورؤيويا، ومع هذا فقد تلبثت مع بعض النصوص التناظرية، لشعراء كعلي الدميني، ومحمد الثبيتي، وسعد الحميدين، لم يكن لاقصاء اذن الا لنص ضعيف، أو خارج عن أطروحة الكتاب.

٭ هناك كوكبة من الشعراء الذين ظهرت حذاقتهم في عالم القصيدة الجديدة في المملكة وشهد لهم نفر من النقاد، وتبارت المنابر على استقطابهم، ما معيار الاختيار والانتقاء لمن درستهم من الشعراء في هذا الكتاب؟

  • لقد أبنت في مقدمة الكتاب عن أن القراءة تهدف إلى مقاربة نماذج من الشعر الحداثي المنشور في السعودية، خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي وبداية القرن الراهن، وهذه هي مادة الكتاب المستهدفة، ولم تكن الغاية الاستقصاء، بل دراسة عينة تدل على غيرها، ومن ثم، فليس الشعراء المدروس شعرهم في كتابي بأفضل من غيرهم بالضرورة، لكنهم عينة من الشعراء، اتخذوا وسيلة كشف عن مشهد عام من التحولات الفنية، كي يكونوا شواهد على تجربة شعرية في حقبة زمنية محددة، كما نبهت إلى أن صفة «الحداثة» التي تدور عليها القراءة ينظر اليها من حيث هي مسألة نسبية، ومن هناك فإن أطروحة الكتاب تسعى في الهدف إلى سبر انقطاع الحداثة عن أصالتها أو اتصالها بها، وحينما لا أجد أن النص يساعد في كشف هذا الجانب لا أحفل به، وان كان في شعريته ممتازا، ثم إن الكتاب ليس في «الشعر الحديث»، ولكن في «النص الشعري الحداثي» وبين المصطلحين فارق، وعليه، لم يكن معيار الشعر المدروس الا المعيار الفني وحده، لا انتقاء ولا استقصاء، حيث لم تكن الانتقائية - خارج الجودة الفنية - واردة، كما لم يكن الاستقصاء للشعر والشعراء غاية، ولا أمرا ممكنا، إن التفريق بين طبيعة مصنف في تاريخ الأدب وبحث علمي يستهدف الاجابة عن أسئلة محددة كفيل بالاجابة عن هذا السؤال.

٭ هل للعنونة دور في اهتمام المتلقي بالنص وحافز له؟

  • ذلك ما يناقشه القسم الأول من الكتاب، وقد أدرك الشعراء القدماء قبل غيرهم أهمية مفتاح النص الأول في الاستئثار بانتباه القارئ، فكان لديهم عوض العنوان مطلع القصيدة، حتى لقد عنونت قصائد واشتهرت بمطالعها، وأشهرها: «قفا نبك»، وهذا ما يؤكد عليه النقد الحديث كذلك فيما يدعوه بعامل «الأولية» في أثر النص على المتلقي، أما في الشعر الحديث، فقد صار العمل «يعرف من عنوانه» كما يقول التعبير الدارج، وأضحى العنوان معدودا في الدراسات الحديثة مما يسمى ب «النصوص الموازية»، من حيث هو أول علامة على طريق التلقي، ومفتاحا سيمويا يختزل بنية النص وكنهه، ولذا جعله جيرار جنيت، في كتابه «عتبات» ضمن مفهومه عن «النص الحاشية» وتبلور في الدراسات الحديثة ما بات يعرف ب «علم العنونة» لما ترسمه العنونة للقارئ من آفاق للتوقع والتلقي، أما على المستوى الإعلامي والتسويقي، فالأمر أظهر من أي ايضاح.

٭ هل من الضروري أن يبذل المتلقي جهدا موازيا لجهد الشاعر بهدف المشاركة في إنتاج المعنى؟

  • ليس للنص وجود دون قارئ، لعل الثقافة التي تركن دائما إلى أن يكون دور الجماهير الاستسلام لسلطة توجيهية أعلى، تملي وتأمر وتنهى، دون مشاركة ولا تفكير ولا حوار، هي التي تشكك في أهمية جهد القارئ، فتجعل المبدع بمثابة الواعظ من منبر أو الحاكم ذي الصولجان، وما على المتلقين سوى الاعجاب والتأمين والتمجيد، في حين أن طبيعة التجربة الكتابية في حد ذاتها - بوصفها نقلة نوعية عن المرحلة الشفاهية - تفرض دورا موازيا للقارئ، لا يقل ثقافة ولا وعيا ولا طاقة ابداعية عن دور المنشئ، إن لم يفقه، وباتت سلطة القارئ هي التي تمنح النص وجوده، فضلا عن كونها شريكة في إنتاج المعنى، ولئن كان هذا ينطبق على أي رسالة لغوية، فإنه في الأدب، ولا سيما في الشعر، أكثر حتمية، فمن خبر طبيعة الشعر خبرة الفرزدق قال: «علينا أن نقول، وعليكم أن تعربوا» أما ان ترقى به الوعي الى درجة أبي تمام، فسيقول: «لم لا تفهمون ما يقال؟» حتى إذا انتهى الأمر إلى شأو أبي الطيب المتنبي فسيدرك أن ابن جني أعلم بشعره منه، وأن دوره ينتهي بانتاج النص، ثم على الخلق بعده ان يسهروا حول معناه ويختصموا ما وسعهم السهر والاختصام.

٭ النزوع إلى التأسيس اللغوي في شعرية النص الحديث، هل هو المفتاح الوحيد لجودة النص؟

  • المفتاح اللغوي هو المفتاح الرئيس، لأن مادة الأدب هي اللغة، والشعر بخاصة هو لغة اللغة، ومعظم الصراع الذي ينشأ عادة في مضمار التلقي الشعري ناشئ عن الخلل في تقدير الفرق بين «لغة العلم» او «الخطاب النثري غير الأدبي» وبين «لغة الأدب» او قل بين «لغة الفكر» و«لغة الانفعال الشعري» إن لغة الشعر بالضرورة لغة مكتظة، معبأة بتراث انساني، من الأحداث، والذكريات، والتداعيات، والنصوص، يستهدف عنفها المنظم في مصادمته الإلف اللغوي انعاش العافية في اللغة وتجديد الوظائف العضوية في جسدها، تلك الوظائف التي تعتل دور الحياة فيها بمرور الأقوال والنصوص، حتى توشك اللغة أن تفقد قدرتها على إيقاظ دلالاتها في النفوس، فليست لغة الشعر بلغة تواصلية مباشرة، بل هي، كما يقول (رولان بارت)، لغة «تؤكد على ذاتها» بوصفها غاية، بدءا من الأصوات اللغوية، إلى المفردات، وصولا الى بنية النص الكلية، إن الشعر فن اللغة الأول، وطبيعي أن يكون مفتاح اللغة في مقاربته أول المفاتيح.

٭ ألا ترى أن الشاعر حينما ينصرف إلى المكان اليومي «المعاش» يمنح النص التزاما وصدقا؟

  • بلى قد يحدث ذلك، ولكن توظيف المكان في الشعرية الحديثة كثيرا ما يظل أمينا على العلاقة البلاغية بين مشبه ومشبه به، وان في مركب استعاري، كما أن الشعراء لدينا انما يعرضون غالبا لتلك المفردات البيئة عرضا، أو يسردونها سردا، اي أن شيئية الشيء تظل غالبا في محلها المألوف، دون أن يضفي عليها الشاعر من روحهما يؤنسنها، أو يجري معها تفاعلا لغويا أو عاطفيا، ومن ثم فانها - والحالة هذه - لا تتجاوز التسجيل الواقعي لمشهد حياتي ما، نحو اقامة علاقات دلالية انزياحية، ينكسر فيها مألوف اللغة، ويستحيل الواقع الحسي إلى واقع شعري، كما يلحظ أيضا ان التفاعل بين شعراء الحداثة عموما وعناصر بيئتهم - على مختلف ضروب التفاعل - لا يزال يدور غالبا حول البادية بمكوناتها الماضية، أو البيئة الشعبية العربية، دون بيئة المدينة الحديثة، بمستجداتها الصناعية والآلية، اي ان هناك غياباً للتواصل الشعوري مع مظاهر المدينة الحديثة ومكوناتها، بما يستثمر مضامينها الدلالية والفكرية في حياة الإنسان اليومية، ولعل ما يعمق الاشكالية في الشعر العربي هو تلك الهوة القائمة أصلا بين اللغة الدارجة والفصحى، والدليل على هذا ان شعراء العامية اشد تفاعلا من شعراء الفصحى مع معطيات حياتهم اليومية الحديثة.

على أن الدراسة قد رصدت نمطاً شعرياً أعلى فنية في توظيف المكان اليومي، يلمح آخذاًس في التنامي عبر نصوص أكثر جدة، كتبت في التسعينات، لشعراء أحدث سنا وتجربة، بعضها منشور وبعضها غير منشور ولا مدروس، وبذلك يلحظ بزوغ حساسية جديدة، ترتفع بتوظيف المكان اليومي، وفق تيار شعري (ما بعد حداثي) يحتفي بالإنساني اليومي، يستنطق شعريته، متجافيا عن بلاغيات تقليدية، أو حداثية مغرقة في تعاليها.

٭ هل النص الشعري الحديث في المملكة يطابق مشروع نازك الملائكة العروضي التجديدي وتحديدا في كتابها «من قضايا الشعر المعاصر»؟

  • الشكل الايقاعي للقصيدة العربية لم يكن لدى العرب اعتباطا، وانما تأسس على ذوق فني خاص، يمكن أن يطلق عليه - كما جاء عليه - كما جاء في كتابي - شيء من قبيل: (هندسة التوازن)، في بناء النص الشعري كما في طرز المعمار، وشواهد ذلك ماثلة في معمار مدائن صالح - على سبيل المثال - حيث النظام القائم على التشاكل، والتناظر، والتوازن، وكأن القصر في بنيته الفنية معلقة أو قصيدة ذات شطرين، وهذا ما يبعث على إعادة النظر في طبيعة اللغة العربية، والهوية الثقافية، والذوق الحضاري العام، ليكون التجديد من داخل ذلك كله، لا مفروضا من خارجه، محاكاة للغات وثقافات وأذواق حضارية أخرى مختلفة، وذلك ما حدا بنازك الملائكة إلى محاولتها وضع ضوابط لمشروعها العروضي التجديدي، فجاء كتابها «من قضايا الشعر المعاصر»، معبراً عن وعي بأن التجديد مشروط نماؤه بأن ينبت في تربة الثقافة الخاصة، ولم يكن كتابها ردة عن حركة التجديد، كما يحلو لبعضهم الاعتراض، كما أن ذلك هو موقف زميلها في التجديد الشعري، بدر شاكر السياب.

والتجربة الشعرية في المملكة هي جزء من التجربة العربية عموما، فيها من النتاج ما يعي وظيفة التجديد وأصوله، وهذا الضرب يستند لدى أصحابه على موهبة حقيقية، وتأسيس لغوي وثقافي قوي، فيأتي تجديده خلافا بناء، وضرب آخر إنما يغريه بريق الصيت والشهرة، فيلتف على تهافت حسه الفني، وضحالة قدراته اللغوية، وضعف تأسيسه العلمي، بحجة أن ما يقدمه هو المختلف والجديد! وما كل مختلف جيد، ولا كل جديد تجديد!

٭ دأب بعض شعراء الحداثة على التزود بالمفردة الشعبية، في حين نجد اسرافا في التجنيس اللفظي والتكرار عند بعضهم، أين يكمن النموذج الشعري في هذين الاتجاهين؟

  • تلك من استرفادات القصيدة الحديثة ان توظف المفردات البيئية وتستمد اللهجة الدارجة، لكن لي على ذلك بضع ملحوظات:

أولاً: أن مدى التوفيق في ذلك بين العامية والفصحى كثيرا ما يخضع لقدرات الشاعر في الفصحى، التي يمكن لحساسيتها استدعاء المستوى العامي الملائم، دون اقحام، أو تكلف، أو انحدار بالنص إلى الابتذال اللغوي، ولذلك فإن بعض النماذج الشعرية تكاد - تحت ذريعة اجتلاب المأثور العامي أو توظيف المفردة اليومية - تتمخض عن خليط هجين من العامية والفصحى الركيكة، والأدب - بصفته فناً - ينبغي له أن ينتخب لغة ترقى جماليا عن ذلك المستوى الاعتيادي أو المبتذل.

أما ما يشير اليه السؤال من اسراف لفظي في بعض النصوص الحديثة يقوم على الجناس او التكرار، فيأتي ضمن إحساس الشاعر بأهمية الموسيقى الداخلية في النص، بوصفها معوضا في الشعر الحديث عن الموسيٍقى الخارجية، حتى لقد رأى كتاب قصيدة النثر في الموسيقى الداخلية أحد معوضاتهم الفنية عن الموسيقى الخارجية في قصيدة الشعر، ذلك أنه مع ما تمثله الموسيقى الداخلية من أداة مشتركة بين مختلف الأساليب الشعرية، فإن حاجة النص الحديث اليها تزداد من وجهين: الأول، من حيث هي عنصر استقطاب لقارئ حرم لذة الوزن والتقفية في القصيدة العربية، والآخر، بما هي أداة كسائر الأدوات التي يسعى النص الجديد الى تكثيفها الى أقصى درجة تمكنه منها موهبته، وعلى الرغم من هذا، فإن دراستي قد سجلت تقصيرا ظاهرا في النص الشعري الحديث عن استثمار تلك الطاقة اللغوية الموسيقية الغنية، على النحو المتوقع، ووفق الضرورات الفنية المشار اليها، وليس من مرد لإهمال هذه الطاقة - في رأيي - الا الى فقر غالب في المعرفة باللغة، والتمكن من أسرار جمالياتها، الا ان بمقدور الراصد أن يلحظ احتفاء بهذا الجانب يزداد كثافة نسبية في النصوص الأحدث، أي في تلك التي كتبت في السنوات الأخيرة، كبعض نصوص محمد الثبيتي أو محمد جبر الحربي، وإن انحصرت استخداماتها - غالبا - في الجناس اللفظي والتكرار، الا أن بعض تلك الاستخدامات - كما كشفت الدراسة - قد أفرطت في كثافتها أحياناً حتى ضافت عنها طاقة الجمل الشعرية، دون أن يشفع لها من مستوى الدلالة مسوغ مكافئ، الأمر الذي يلفت النظر - بالاضافة إلى صعوبة الموسيقى الداخلية قياسا إلى الموسيقى الخارجية - إلى أنها قد تكون أكبر عبئا على النص مما فر منه الشاعر في الموسيقى الخارجية، إذ جمالها مرهون بمهارة الشاعر الفنية، واقتداره التعبيري، بحيث يوائم بين مستوى الدلالة الشعرية ومستوى الصوت، والا كان تعلقه بها رجعة «حداثية» إلى عصور الانحطاط الأدبي واتخاذ الحلى البديعية معوضات عن الخواء في الرؤى والمعاني.