.. لا أستطيع القول بأن شخصية خالد النفيسي (1937 - 2006) إنساناً وممثلاً، ومبدعاً وخلاَّقاً ستمر عبثاً علينا، فهي ذات جذور قوية في ذاكرتنا النجدية المعطوبة لأزمنتها المنسية بين الصحارى الراقدة.

.. ليس ثوب أو غترة أو سبحة جدي إبراهيم الواصل ما كان يربطنا أو يذكرنا باحتمال آخر لحياة النجادي (النجديين)، وليست السواليف التي يحكيها بأشعارها النبطية، وأحداثها والساخرة، عن أُناس كثيرين نعرف حقيقة أسمائهم وعوائلهم، ومسافات القربى والخؤولة ما بيننا وبينهم، وهي سواليف كثيرة تتصل عن مهاجري نجد وتجارها، عن الجماميل من نجد كلها، والعقيلات حيث يربطون طريقاً بين الفرات والنيل بالهوادج والبهار.

.. إن سواليف جدي لا تنتهي، وليس ينساها كل مرة يحكيها لا يغير فيها بل تدهشنا كأنما هي طازجة، لأول مرة نسمعها ونحفظها، وما استعادتها إلا استطابة تلك اللذة السماعية لذلك السرد والشعر معاً.

.. يحكي عن شخصيات كثيرة شيوخ قبائل وفرسان، بداة ومتحضِّرين، مجانين وبوَّاقين، أحد صُنَّاع الضحكة على مستوى الرَّبع والسمَّار يدعوه (فَسْقَان)، وعن حارق حطبه وفارط رماده يَدْعُوه (أجْودي).

.. هذا الكائن المدعو خالد النفيسي، هو بحسب معجم جدي النجدي: فَسْقَان (ساخر) وأجْودي (أخلاقي).

.. خالد النفيسي، الذي بدأ نهاية الخمسينات أول مشاريع الممثل بمسرحية له: «ضاع الأمل - 1956» كإحدى أولى أعماله بورشة «المسرح الشعبي» مع محمد النشمي، ودخل أول عتبة الشباب بمسرحية: «صقر قريش - 1961»، وهي إحدى أولى أعمال «المسرح العربي» إذ كانت نواته دروس وتدريبات زكي طلبمات الذي سوف ينجز الكثير، ومنه إعداد مجموعة من الوجوه التي ستسيطر على خشبة المسرح والتلفزيون الكويتي طيلة الستينيات والسبعينيات حتى الثمانينيات، مثل: حسين عبدالرضا وعبدالرحمن الضويحي، وأولى الممثلات آنذاك: مريم الصالح ومريم الغضبان.

.. استطاع وجه خالد النفيسي، حفر تقاسيم حارقة وحنونه، في كل أدواره، التي تطلبت منه جهداً انفعالياً واظب على تجسير تلك الطاقة انضباط وجدية مفارقين انعكسا على أدائه وملامح شخصيته الفنية، على المسرح والتلفزيون كذلك الإذاعة.

.. إذا ما كان هناك تورط بشكلانية الممثل الأول (الأفضل والأشهر) نالت أحد وجوه التمثيل الكويتي، والعربي عموماً (لكونها تصدير مصري بامتياز) فخالد النفيسي كان خارج تلك الدعويات المجانية في الصحافة الفنية، والثقافية عموماً، فهو استطاع أن يقدم شخصية خاصة جداً، على محافظتها الخارجية، وهذا ما توحي به للوهلة الأولى، من ترسيمة الغترة ونموذجية تصميم الثوب وكلاسيكية إطار نظارته إلا أنها تضج بالرغبة والشهوة بالحياة والحب، والجنون بالجمال والولع بالشباب خالد!..

.. إن ذلك الشغف الطالع من عيونه وإيحاءات يديه القوية (خاصة عندما يُشير بإصبعيه معاً) ظافرة ولاهفة إلى ملاعبة الحياة ومنافستها عطاءً ومحبة. إنه ذلك الإنسان الذي أتى ليغدق من بحره وبره. فلا ييأس بالنضوب ولا ينتهي بالمكاثرة..

.. نستطيع من خلال استقراء مجمل أعمال خالد النفيسي الوقوف على عدة محاور رئيسة في مواضيع وشخصيات النفيسي التمثيلية، فهي آتية من صلب المجتمع الكويتي، والنجدي عموماً، إذ هو أحد صور المجتمعات القائمة على عناصر نجدية، وهي التي تشكلت عبر محور حيوي تعليمي واقتصادي (الكويت - البصرة - عنيزة)، خلال قرنين من الماضي إضافة إلى المحور السياسي (حائل - الرياض - الأحساء)، والذي ظل باقياً رغم التحولات السياسية دولياً في تكوين جغرافيا سياسية (محلية) أخرى، بقيت تحتفظ بكل ملامحها مهما تباعدت وانعزلت.

.. إذ لا يغيب أن شخصية مثل الشاعر محمد بن لعبون كانت مشتركة بين نجديي العراق والكويت أو البحرين كذلك نجد الجزيرة العربية نفسها، حتى إذا ما رأينا مغنياً مثل عبدالكريم عبدالقادر يشترك فيه الكثير بالكلمة واللحن لعمق الحس النجدي الفارط في غنائه، هو تسابق الشعراء من الخليج والجزيرة العربية كلها لوسم حنجرته بقصائدهم، ونذكر في حياة الفهد امرأة غزيرة المشاعر وحاضرة الحس الأنثوي المتكامل، فهي تلك الأم والأخت كذلك العاشقة والمجنونة إنها ممن يختصون النسوة في شخصيتها، ونذكر سناء الخراز التي لا يغيب عن حسها عمقياً ما يلوِّن حنجرتها بالغناء بدوياً وحضرياً حيث تشع منها رائحة قوافل نجد وهجينيات العقيلات وعاشقات البادية في انفعالهن الفطري ومزاجهن الصحراوي من هذا كله، ربما لأبعد تأتي شخصية خالد النفيسي، فهي ملك نجدي بامتياز. أما تلك محاور الشخصية الفنية للنفيسي، ذات البُعد الاجتماعي، متنوعة الأبعاد والملامح المعبرة، فهي كالتالي:

1 - الشخصية الاجتماعية ذات البُعد التربوي، وهي متجسدة في مسلسله المجزأ: «إلى أبي وأمي مع التحية»، أوسط الثمانينات، الذي ألفه: طارق عثمان وأخرجه: حمدي فريد، واشترك في التمثيل: حياة الفهد، عبدالرحمن العقل، هدى حسين، منصور المنصور، أسمهان توفيق وآخرون. حيث صيغت شخصية الأب، كذلك الأم مع الفارق، في طينتها الرجولية ذات البُعد الأخلاقي، وهي المحور الأساسي الذي قام عليه المسلسل بأكمله، وهو ما تخطى تطلعات مسلسل أطفال مثل: «افتح يا سمسم»، فقد أنجز خالد النفيسي الدور بمسؤولية وأعطى نموذجاً يحمل خيره وشره طبعاً وسلوكاً. فاستطاع بموجب تلك المسؤولية إعطاء فرصة للأب والزوج، كذلك الخال والعم، تصوير الأحداث العائلية ضمن دراما جماعية أشبهت سمفونية تمثيل كان خالد النفيسي الموضوعة التي أقامت صورة أب، لا زال يحمل بطركيته إنما مستحدثة، ولعلها مرحلة انتقال من الصورة المشيخية (البطركية) الفائقة الصيغة الشكل قديماً، إلى صورة أخرى سينهض بها آخرون.

2 - الشخصية الاجتماعية ذات البُعد السياسي، فإذا ما كان الجميع سيذكر خلال العام الحالي مسلسل: «عديل الروح - 2005» الذي ألفته فجر السعيد وأخرجه: رمضان علي، ومثل معه كثيرون: إبراهيم الحربي، منى عبدالمجيد، محمد بوشهري، عبير أحمد، يعقوب عبدالله وآخرون. الذي كان محوره عن وزير يتعرض لمساءلة مجس الأئمة لقضايا أمانة خلال عمله الوزاري، وينطوي على حكاية عائلية بين زوجة معلقة وابن لم ينسبه إليه يعترف فيه بالآخر كما سينتصر في مساءلة أمانته الوزارية، فلابد أن نذكر البُعد السياسي الزاخر في مسرحية: «حامي الديار»، ألفها عبدالأمير التركي، حين تفوَّق خالد النفيسي فيها على نفسه في كل مشاهده مع سد الفرج، جاسم النبهان وعبدالإمام عبدالله، لعلنا نذكر مشهد المقهى بعد خسارة سوق المناخ، وكيف قابل الأخبار الكاذبة التي كان يروجها سعد الفرج من وزير المواصلات، عن النوط الجديد (ورق العملة) بطول ذراع، والقطارات المعوضة عن السيارات لأن الناس سوف تعاد إلى الكويت القديمة داخل السور، فرشقه (أبو هاني) خالد النفيسي، بالديرة التي بمنازلها ومستشفياتها، بمدارسها وملاحقها داخل قاع البحر، حتى إنه شاهد سياراتها على شكل غواصات صغيرة ومر بلاعبي كرة قدم فنزل (ليصوفر) معهم! كذلك لا ننسى مسرحية «حرم سعادة الوزير»، لنفس المؤلف، التي كان فيها يقوم بدور وصولي يدعي قربه من زوجة الوزير بالرضاع حيث ظلت جملته الخطيرة، ذات الحس النقدي العالي، والخاص بالنفيسي منفرداً، عندما سأله سعد الفرج عن الكلب الذي ينبح خارجاً عندما رأه، فقال: «كلب الوزير.. وزير كلاب!»، كما لا ننسى مسرحية: «هذا سيفوه وهذي خلاقينه» آخر الثمانينيات التي أوقفت لكونها صدعت التيارات السياسية الكويتية ببعضها. جعلته يغادر البلاد طويلاً إلى منفاه الاختياري في المغرب، وترفع عن المشاركة في حراج المسرح الكويتي الهجائي صوب قضية الغزو العراقي (1990 - 1991).

3 - الشخصية الاجتماعية ذات البُعد الإنساني، وهي التي خدمها من خلال الشخصيات عامة: الزوج والأب، العاشق والمغني، الأرمل والأخ. عندما نرى شخصية الأب والعاشق مرزوق في مسلسل: «خالتي قماشة» تأليف طارق عثمان وإخراج حمدي فريد، حيث يلون تلك الشخصية، بذات الوقار والمرح، الصرامة والسخرية، حين يصادمها بشخصية الأم قماشة (حياة الفهد)، المتسلطة والمتنفذة، وهي إحالة إلى رمزية السلطة الاجتماعية - السياسية، حين تتصادم سلوكياً بينها وبين أشكال أخرى من السُّلَط في المجتمع، على مستوى العائلة والجماعة، وهي ما مثلته شخصية الأرمل حجي مرزوق (النفيسي) الذي يأمل بزواج ابنتيه (محبوبة/سعاد عبدالله وليلى/رجاء محمد) تحيناً لفرصة الزواج من معشوقته حصة (الشخصية التي يحدثها في الهاتف فقط)، ولا يتوفر له ذلك لأسباب كشفها المسلسل الشهير، وشخصيته هنا، بالمقارنة الفنية، تذكرنا بشخصية (رأفت) فؤاد المهندس في مسرحية: «سك على بناتك» التي تعاني ذات الأمر، مع الفارق بأنه أب لثلاث بنات (سناء يونس، إجلال زكي وشيريهان)، وظلت بطلة الهاتف موجودة بالصوت (شويكار)، ولكن ما ينهي تلك المسرحية غير ما تنتهي عليه أحداث المسلسل هي بانكسار (أو انسحاب) سلطة الأم - الحكومة، وبقاء الأب مرزوق أرملاً لكن صار سعيداً.

.. أما الشخصية الثانية، فهي شخصية الزوج الضعيف (سكَّانه مرته) أي: الذي تديره زوجته، وهذا ما تمثل في شخصية أبو صالح، من مسرحية «بيت بو صالح» التي ألفها غانم الصالح وأخرجها أخوه حسين الصالح، حيث تقوسمت بطولة المسرحية بين الثلاثة: خالد النفيسي، عبدالعزيز النمش وغانم الصالح نفسه.

.. توفر لهذه المسرحية الأداء الخلاق، من جميع الممثلين الثلاثة: أبو صالح (النفيسي) الذي سوف تتطور شخصيته بعد أن فاض صبرها، بين سوء معاملة زوجته مضاوي (النمش) وما بين ابنتها (هدى حمادة) من جهة ومن أخرى مع ابن زوجها صالح وزوجته وابنته حصة التي التي جعلتها خادمة، إلى استعادة موازين السلب والإيجاب بين الزوج والزوجة محاولة لكسر المثل (سكَّانه مرته) وإعادة الأمور إلى نصاب العائلة ذات السلط المتراتبة بين الأم والأب، بحسب النظام الأبوي الطاغي، وشخصية زوجته مضاوي (النمش) التي ظهرت شخصيتها المستبدة والمتغطرية جراء ورث تلقته من وفاة والدها ما جعلها تتحكم في البيت وفي زوجها، مظهرة إهمالاً له وإذلالاً لقلبه الذي يطيعها في كل ما تريد وهذا ما أرخى لها عنان العبث السلوكي (مشهد السوق ومغازلة البائع) مروراً بشخصية سوف تدفع التحولات بشكل غير مباشر، وهي الشخصية الثالثة شخصية ابن العم أحمد (غانم الصالح) الذي سيخرج من مصحة نفسية ليعيد ترتيب الأوراق المتلخبطة بين الزوجة المتسلطة والزوج الضعيف، لعلنا نذكر مشهد الأداء الصامت إلا من ضحكات الرعب لأحمد (الصالح) الذي أداه عبدالعزيز النمش ببراعة، وهذا الذي سوف يحولها إلى امرأة راضخة لمعايير المجتمع الأبوي.

.. سنذكر الكثير من شخصيات خالد النفيسي شخصية المغني الأثرم وعودة عنتر في اسكتش: «المطرب القديم» مع سعاد عبدالله، الذي كتبه بدر بورسلي ولحنه غنام الديكان، سنذكر المسلسل الخالد: «درب الزلق» وشخصية أبو صالح (وهي الكنية الحقيقية للنفيسي) العاشق الولهان لأم سعد (النمش)، وغزله لها عندما تطلب منه ثلجاً (فَلْج أبو صالح)، ومحاولة زواجه التي لم يرض عنها الابن الأصغر حسين (عبدالحسين عبدالرضا)، ونذكر الكثير حيث لا طاقة لأن ننسى.

.. تبقى شخصية خالد النفيسي، الإنسانية والإبداعية خارج التصنيف التراتبي والمعيار المدرسي، فهو الطاقة التي استطاعت أن ترسم بنفسها حالة إبداعية عالية ذات إشعاع يكسبه الآخرون والأخريات حين الاشتراك معه في عمل وفي لحظات الذروة الفنية، فمن ينسى ذلك المشهد الذي تفرد فيه عندما خاطب النساء كنائب في مجلس الأمة من مسرحية: «حامي الديار»، وفاجأهن أنه سيقترح حساب صوتين للحامل في الانتخاب، ومن ينسى ذلك المشهد الرائع منذهلاً من وجود ابنته التي ظن زوَّجها مجبرة، في مسلسل: «خالتي قماشية»، فيتفاجأ بوجودها وأن العروس التي زفها كانت مزيفة حيث زفَّ الصبي مفتاح (عبدالرحمن العقل). إنها مشاهد كثيرة ولا نلحق سردها.

.. إن الطينة الإبداعية لخالد النفيسي تجعله في مصاف الممثلين العظام الذين لا يمرون عبثاً على خشبة المسرح أو عدسة التلفزيون أو (السينما) أو ميكرفون الإذاعة، فهي طينة لا تشبه مهما تغيب تترك ظلالاً جهوراً هي طينة تشابه طينة أنطون كرباج في لبنان ومحمود المليجي في مصر أو مارلون براندو في أمريكا.

.. إنها طينة نعرفها. طينة النجدي الذي نحترمه مهما أغضبنا ونعشقه مهما هجرنا. وننتظره بالولع مهما غاب طويلاً ونذكر سخريته (الفَسْقَانة) حين تفجر ضحكتنا، ونعرف يقيناً شعوره القوي نحونا من خلال سلوك (الأجْودي) معنا. هذا هو خالد النفيسي يبقى من أنفس البشر، وآخر السيوف النجدية.

ahmad-alwasel@hotmail.com