وضعت حسابات السياسة الدين الإسلامي أمام وضعيّتين؛ الأولى ترى بالإسلام تحديا حضاريا يواجه الغرب ومنجزاته، والوضعية الثانية وضعت الإسلام كعمل ومفهوم يواجه تحديات، وعليه العمل بقوة لإبعاد هذه التحديات عن حدوده، كلا الوضعيتين تستمد فاعليتهما من السياسة وليس الدين، وهل المطلوب إبعاد السياسة عن الدين، لكي نحمي الإسلام من موبقات السياسة؟ لا توجد إجابة محايدة عن هذا السؤال، فالتجربة الواقعية تقول إن إبعاد السياسة عن الدين هي أيضا سياسة!

في المملكة الإسلام هوية وتشريع، وحضور أساسي في قيمنا الاجتماعية ومصالحنا السياسية، الأمر الذي جعل مسؤوليتنا عن الدين الإسلامي مسؤولية دينية وسياسية معا، فالهوية كائن حاضر ومتفاعل مع كل البيئات المختلفة، والإسلام هوية بالنسبة للسعوديين، لذا كثرة المحاولات الخارجية لربط كل عمل يدين الإسلام كهوية بالمملكة، مرة يأتي بشكل تلفيق مزور ومرة يأتي بشكل ضغط من أجل تحقيق مصالح محددة، الإسلام كدين هو لكل بلاد الإسلام بل لكل شعوب الأرض، أما كهوية فهو عمل اختياري يلزم الشعب الذي اختار، من هنا ممكن قراءة التحديات التي تواجهنا كبلد له هوية إسلامية، وعليه واجبات أساسية نحو هويته، التي تتفاعل بسلام مع البيئة الخارجية، الأمر الذي يلزمنا على خلق أدوات التفاعل الحضاري مع البيئات المختلفة عنا بأشكال ثقافية متعددة.

هذا الاتجاه يضعنا في حالة بحث عن صيغة إسلامية مؤثرة لتقديم هويتنا للخارج، ولن تكون الأداة مؤثرة إن لم تكن تحمل مضمونا أصيلا يعبر عن الهوية بصدق ووضوح، فتأسيس هيئة عليا للدعوة الإسلامية تشكل من خبرات متنوعة دينية وثقافية وسياسية، فالدعوة للدين منهج ورسالة، فإهمال الدعوة، يفتح المجال أمام كل من يريد أن يعطل حركة هويتها ويمنعها من التواصل خارجيا بسلام وفائدة منتجة للبشرية جمعاء، فالهيئة المقترحة لا تعمل وفق أجندة سياسية تفاوض المصالح بمصالح، بل تعبر بصدق عن هويتنا، وتكون مرجعا فكريا لخطابنا في الخارج، هيئة تنقي الدين الإسلامي من موبقات السياسة وتحميه من اختراقات الفكر المتطرف، هيئة لها برنامجها ودعاتها وتحاسب على أخطائها وفق قانون الهوية، الهوية التي تسير على منهج سلمي يجتمع به ومن حوله كل من يعتقد أن الإسلام دين حضاري يحرم سفك الدم وإشاعة الكراهية، فالمطلوب قيام هيئة عليا للدعوة، تجمع السعودي بالمسلم وغير المسلم في مشتركات إنسانية تتفق مع الدين ولا تخالفه.