تفتخر كل بلاد بتراثها وتاريخها، وتتسابق الأجيال الحديثة الواعية إلى الحفاظ على كل ما يشكل صلة بالماضي، فهي تدرك أن هذا الماضي هو الأساس لما هي عليه اليوم.

ذلك التراث والتاريخ وإن تنوعت أشكاله إلا أنه يظل شاهدا على مرحلة مهمة وأساسية من تطوير أي دولة ونمو أي مجتمع لذا كان لزاما على الحاضر أن يحافظ على مكتسبات الماضي مهما تنوعت أشكال هذا التاريخ والتراث فقد يتمثل في كتاب أو معركة أو قصة أو حتى مكان.

في كل دول العالم نالت المقاهي شهرة واسعة وذلك لأنها كانت مقصدا كبيرا للأدباء والمفكرين وحتى الثورات مما جعل بعض هذه المقاهي توازي بشهرتها المدن ذاتها، مقاهٍ التقت فيها الكثير من الأوجه وتصارعت فيها مئات الأفكار وسجلت جدرانها العديد من السجالات الفكرية والأدبية التي نستند اليوم كمنطلق للعديد من نقاشاتنا.

كل ذلك الإرث الكبير يجعنا نفكر في واقعنا المحلي وكيف أن سعينا وراء التمدن بصورة سريعة جعلنا للأسف نغفل الدور الكبير الذي لعبته المقاهي في تشكيل الوعي والثقافة في وطننا وفي مختلف المدن والمحافظات فالكثير منا تسابق لهدم هذه المقاهي وتحويل أماكنها إما لعمائر تجارية أو سكنية ضاربين بعرض الحائط الكم الكبير من الذكريات التي تحتزنها فناجنين القهوة تلك.

هنا في الرياض مثلا يخبرنا الرعيل الأول من الأدباء عن "قهوة العويد" والتي كانت مقصد الرياضيين، والصحافيين، والكتّاب، ورجال الأعمال الذين كانوا يتباحثون فيها عن مشاكلهم ولم يكن يخلو الأمر من مناوشات رياضية بالإضافة إلى تسليط الضوء على أبرز اللاعبين، ورغم بساطة الحديث أو الموضوعات إلا أن "العويد" كانت شاهدا على جيل كبير من الأدباء واللاعبين والمثقفين الذين وجدوا فيها ملاذا لفكرهم حتى أن الرويات التي تُحكى لنا من بعض الرواد تؤكد أن بعض رواد المقهى كان ينام بها لأنها أصبحت بيتا لهم، كل ذلك الإرث الكبير للأسف خسرناه كما خسرنا العديد من المقاهي في الرياض وفي مختلف مدن المملكة..

الدور الكبير هنا يقع على عاتق الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني لضم هذا الإرث التاريخي الكبير إلى قائمة الأماكن التي يجب عليها أن تحميها أو تعيد تعريف الجيل الجديد بها فهي جزء مهم ومؤثر في تاريخنا.