حدثتكم في مقال سابق عن الطاقة المظلمة Dark Energy بوصفها لغزا كونيا كبيرا! واليوم أحدثكم عن لغز كوني آخر: المادة المظلمة Dark matter. وكلاهما يوصف «بالمظلم» ﻷننا نجهلهما لحد غريب!

عندما نرصد الكون بمختلف اتجاهاته نجد أن المادة تتجمع في حشود من المجرات وما يسكنها من نجوم وكواكب وأجرام وغازات كونية. ولو رصدت مجرة من المجرات فبإمكانك أن تقدر سرعة النجوم التي تحويها المجرة. وعندما تقوم بذلك؛ تكتشف شيئا غريبا وهو أن سرعات النجوم التي تقع على أطراف المجرة تزيد عمّا تتنبأ به قوانين الفيزياء.

كالعادة، هذه الانحرافات عن القوانين تكون مؤشرا إلى أن القانون به خلل وأنه بحاجة إلى تعديل. ولكن هذا ليس ما يتفق عليه معظم الفيزيائيين اليوم للظاهرة التي وصفتها للتو، والسبب هو أن قوانين الجاذبية تعمل بدقة بالغة.

فإذا لم يكن هناك خلل في القوانين فمعنى ذلك أنه يوجد نوع جديد من المادة وهو غير مرئي ولا يتفاعل مع المادة العادية المعروفة إلا بصورة ضعيفة جدا لدرجة لا تمكننا من أن نرصد تلك التفاعلات ولو بأدق آلاتنا.

تلك المادة «المظلمة» ليست كالمادة العادية إذن. وليست كالمادة المضادة التي تنبأت بها معادلات الفيزياء وأخبرتكم عنها في مقال سابق. بل هي شيء تفرضه علينا عملية رصد الكون. وهناك أدلة أخرى تشير إلى أن بعض الظواهر الغريبة التي نراها عندما نرصد المجرات وحشودها وندرس اصطداماتها هي ظواهر ناتجة عن جسيمات جديدة (مادة مظلمة) وليس عن خلل في معادلاتنا وقوانين الفيزياء.

معنى ذلك أن المادة المظلمة بوصفها جسيمات أولية جديدة هي فرضية قادرة على تفسير عدة ظواهر كونية في الوقت نفسه، وهذا من الأسباب التي تجعلها الفرضية الأقوى لدى الكثير من العلماء. ولكن المشكل هو أننا لم نرصد الجسيمات نفسها ولكن رأينا أثرها!

وهذا اللغز الكبير الذي نسميه «المادة المظلمة» يعد من أكبر الدوافع لكثير من علماء الفيزياء لتصميم تجارب مبتكرة لمحاولة اكتشاف الجسيم الأولي الجديد!

وهو أيضا دافع للفيزيائيين لوضع فرضيات عن ماهية ذلك الجسيم الغريب! فلو كانت هناك جسيمات كونية جديدة، فمن أين أتت تلك الجسيمات؟ وكيف نصحح «النظرية العلمية الأكثر دقة» (حدثتكم عنها في مقال بهذا العنوان) لتصبح نظرية جديدة أكثر دقة وتحتوي تلك الجسيمات «المظلمة» وتتنبأ بالظواهر الناتجة عنها؟

كل هذه الأسئلة هي محل اهتمام الكثير من الباحثين في الفيزياء اليوم. وما زلنا لا نعرف ما هي المادة المظلمة بالضبط، وإن كنا نرى أثرها رأي العين!