تتمثل الإدارة الناجحة في ترتيب الأسبقيات، فلا يعقل أن تكون الأمور الأكثر أهمية تحت رحمة الأمور الأقل أهمية، ولا يمكن لأي منشأة حكومية كانت أو خاصة أن تسير إلى الأمام إلا إذا استطاعت تكوين رؤية واضحة عن أهدافها المستقبلية، لأن هذه الأهداف كفيلة بأن تجعلها تدرك مكامن الخلل في الحاضر، وأن تصب كل مجهودتها البشرية والمالية لعلاجه، وتقويم مسارها لكي يتواكب مع خططها المستقبلة.

هذا التوجه يتطلب نوعا فريدا من الأشخاص يكونون أشبه بالقادة منهم إلى الإداريين، فالمطالب هنا أكثر من مجرد تنظيم ورسم خطط، فالمطلوب في الغالب تغيير سياسة وتطوير فكر في تلك المنشآت، لذا فالقادم الجديد يجب أن يحمل معه روح التغيير، وإيجابية يستطيع زرعها وبثها على مختلف الأصعدة.

مثل هذه الروح وهذه النظرة لن تتكوّن لدى شخص يقبع في برجه العاجي تاركا لمستشاريه ونوابه التواصل مع الإدارات ومع المراجعين، ولن تتصور لدى شخص تفرغ لقراءة التقارير التي ترده من كل إدارة وهو على كرسيه، فالمنطق يقول إن نظرة المستشار والنائب تختلف عن نظرة الموظف البسيط الذي يعايش مشاكل العمل بصورة يومية.

تلك القيادة ومثل هذه المطالب يجب أن يضعها الوزراء المعيّنون الجدد، وحتى الحاليون، نصب أعينهم، فالمواطن هو النواة الأولى لنجاح كل الخطط التي يرسمون لها، ومتى ما غُيّب صوته ستكون هذه الخطط صعبة التطبيق.

الاستراتيجية الأولى والوصفة السحرية للنجاح تكمن في أن ينزل الوزير للشارع ويختلط بالناس ويسمع منهم مباشرة لكي تكون قراراته من رحم معاناة المواطنين، وتكون خططه المستقبلية مبنية على معطيات من الحاضر، وأن يصوغ بنودها بالتشارك معهم.. فليس عيبا أن يجلس معاليه مع المواطن ويبدأ في التعرف عليه عن قرب.