العاصمة الروسية شهدت مؤتمراً صحفياً لوزيري خارجية المملكة وروسيا، يمكن وصفه بالحدث السياسي الأهم في الأزمة السورية، فتأكيد المملكة على إزاحة بشار الأسد في العاصمة التي تحميه وبحضرة الوزير الذي صاغ سياسة حماية بشار الأسد، حدث ليس عادياً وإن كان معروفًا مسبقاً، الوزير الجبير فرض في المؤتمر الصحفي سياسة بلد في المحادثات الثنائية بين الرياض وموسكو ولم يمارس جدلاً دبلوماسياً مقطوعاً في وقته، أي لم يحل مصير بشار الأسد لقرارات دولية تحمل أكثر من تفسير مثل ما فعله نظيره الروسي "التأكيد على القرار الأممي 2254"..

لماذا هذا المؤتمر الصحفي يعتبر الأهم؟ لأنه قدم التباينات السعودية الروسية بلغة تحمل أمل الاتفاق وليس الاختلاف القطعي، خاصة عندما جاء الحديث عن المليشيات التي تدعم نظام بشار، فالجبير وصفها بأنها إرهابية ومجرمة دولياً، والوزير الروسي اكتفى بالتعليق بأن هذه النقطة محل تباين بينهم وبين المملكة، ولم يصفها بالشرعية أو البطولية، وهنا توجد فرصة للالتقاء بين البلدين حول وضع المليشيات، لا يعني الأمر سهلاً للوصول لاتفاق حول وجود المليشيات، ولكنه ليس مستحيلاً، بل ممكناً، إن كان هناك إصرار على اعتماد التوصيف القانوني الدولي لتلك المليشيات، والعمل على إصدار عقاب دولي عن وجودها في سوريا، وهنا ليس أمام موسكو سوى بقبول قانون المعاقبة أو اللجوء إلى استخدام حق الفيتو لحماية المليشيات من العقاب، وهو خيار ممكن، ولكنه حق يناهض الموقف الدولي من المليشيات، فاللعب بورقة المليشيات في هذه المرحلة الحرجة للنظام خيار سوف نجد من يسانده بقوة، ولن تستطيع روسيا الدفاع عن تلك المليشيات سياسياً بنفس القوة التي تدافع بها عن بشار، فالأسد يقف على رأس منظومة حكم سورية، فقد شرعيته ولم يفقد هويته، أما المليشيات لا توجد لها شرعية أو هوية ووجودها مجرم بكل قانون سواء دولياً أو وطنياً أو حتى عشائرياً، فالمطلوب سياسياً هو التأكيد على معاقبة تلك المليشيات سواء في مفاوضات الأستانة أو جنيف، فكل جهد يتوجه إلى وقف إطلاق النار بين الطريفين لم يتضمن بنداً يقضي بإبعاد المليشيات من سوريا يعد جهداً فارغاً من القوة والقبول أيضاً، الجبير أخرج المليشيات في المؤتمر الصحفي من حوزة روسيا وطهران السياسية إلى قانون المعاقبة الدولي، وهذا دهاء لا يأتي إلا من وزير مثل الجبير.