في حلقة ماضية استعرض المستشرق الإنجليزي داوتي جماعة متهورة ظهرت في المدينة المنورة كانت تمثل سيف الدولة في الإمبراطورية العثمانية وشبهها بجماعة أخرى أطلق عليها "المعترون" وهم طائفة معروفة في بلاد الشام بخروجها على القانون وامتهان نوع من "البلطجة" شكلت هناك ما يمكن تسميته بعصابات الخطر، وصفها في كتابه ترحال في صحراء الجزيرة العربية بالقول:في كل البلدان العربية التركية كان هناك بعض التوجهات التي لا تدخل في إطار الاعتدال الذي تتسم به الحياة المدنية والأشخاص الذين من هذا القبيل يقعون على بعضهم، ويحيون حياة تسيب واضطراب. هذه النوعيات في الأراضي المسيحية تراها تتردد على الخمارات والحانات المرخصة، ولكن هذه النوعيات في العالم الإسلامي يودي بهم سكرهم وعهرهم إلى أن يكونوا خارجين على القانون ثم يذكر اسم تلك الطائفة المعروفة في دمشق بـ "المعترون" هذه الطائفة على سبيل المثال كما يؤكد داوتي حتى وهم خليط من مختلف الأجناس لا يدخلون ضمن الأعداء الشعبيين؛ والسبب في ذلك أن المواطنين الأسوياء يندر أن يصابوا بأي أذى نتيجة الأخطاء التي يرتكبها هؤلاء المعترون. ويؤجر هؤلاء أنفسهم وأحيانا يفعلون ما يفعلونه مجاملة لأصدقائهم في المشاجرات نيابة عن الآخرين كما يؤجرون أنفسهم للثأر لغيرهم مبينا وجود أعضاء مسالمين من بين هذه الطائفة هدفها الإصلاح وضبط السلوكيات عند ما يواجه المعترون معترين آخرين كما يقول فإنهم ينظرون إليهم شذراً، ويكلمونهم كلاما جارحا، وينشب العراك بينهم مرات كثيرة أثناء النهار ومع دخول حرارة الصيف عندما يبدأ نضج المشمش في غوطة دمشق يخرج هؤلاء الخارجين على القانون أثناء الليل على شكل عصابات ليدخلوا البساتين، وهم يقومون بتكسير الجدران المبنية من الطين، ويروحون يقطعون تلك الثمرة اللذيذة كي يتعشون بها. هؤلاء يسرون عن أنفسهم في الأماكن التي من هذا القبيل يروحون بشرب الكحول الحارق الذي يجري تقطيره من ثمار الكرم في بيوت غير المسلمين، ويعتبرون بوهيميون في حياتهم، أما العرب فيذكر أن فيهم رقة إنسانية بالرغم من تفاهتهم وإذا ما جاءهم غريب وهم يأكلون أو يشربون فإنهم يطلبون منه الجلوس ويتخوفون من عدم مشاركته لهم في الطعام - وإذا ما استرق معتر السمع على معتر آخر فإنهما يتبادلان السب واللعن فيما بينهما، والشائع أن المعترين في مثل هذا الحال يمتنعون عن شرب ذلك الشراب المحرم، ويبدؤون في التحامل على بعضهم البعض والعراك الذي يبدو بين المعترين يستهدف حريم الخصم تدخل القرابة والكفالة ضمن كرم العرب كما قال داوتي، وذلك في بلدانهم المضطربة غير المستقرة أو غير الآمنة وهذه تعتبر حسب وصفه برا وتقوى الحياة العربية - وتمثل قدسية وحرمة دين الجزيرة العربية التي لا يمكن التطلع فيها إلى غير ذلك - يقول داوتي في هذا الشأن: حدث ذات يوم أن كنت عائداً عند ما كنت في سوريا من رحلة من الرحلات - سألت أحد القرويين أن يدلني على الطريق - كان الوقت ظهرا - كان ذلك الشاب الذي مررت عليه يأكل خبزا وجبنا. توقف الشاب قليلا وقطع قطعة من الخبز التي كانت في يده وقدمها مع ابتسامة مريحة للغريب وعند ما هززت رأسي قطع قطعة من الجبن ووضعها في فمي في صمت، وهنا فقط أدركت أن الوقت قد حان للكلام، يضاف إلى ذلك أن الغريب إذا ما دخل كرمه أو بستانه، اعتبر ضيفا على ذلك البستان أو الكرمة. وفي أشهر الصيف إذا ما تصادف وكان الرجل الطيب في البستان فإنه يقدم لذلك الضيف بعضا من الفواكه الطازجة كي يسري عنه ويشرح صدره، واستمع داوتي حينها إلى الكثير من الحكايات الغريبة في دمشق عن المعترين في الأزمان السابقة بل وحتى في أيام آبائهم عند ما كانوا هم وبعض الرهبان الفرنسسكان يعانون أثناء التجول هناك - لم يكن أي إفرنجي يستطيع الذهاب للمنطقة دون أن يكون متنكرا. لم يكن النصارى يحصلون على أي تعويض بل أن الممثل المقيم للسلطان لم يكن له سلطة على هؤلاء المعترين يضاف إلى ذلك أن تصحيح الأخطاء الجسيمة كان يجري على أيدي المعترين القساة الذين اشتهروا بالعنف - ومع ذلك فإن هذه المدينة الإسلامية التي يصل تعداد سكانها إلى 130 ألف نسمة عامرة بأعمال هؤلاء المعترين السلمية التي لا تعرف الإفراط، واختتم حديثه عن هذه الجماعة بالقول: لاشك فيه أننا نتفوق عليهم في الاضطرابات الانفعالية كما نتفوق عليهم أيضا في الفنون وفي التعليم كما أننا لدينا قوانين أفضل.