ملفات خاصة

الجمعة 24 رجب 1438هـ - 21 إبريل 2017م

بالفصيح

مطر وعتش «أنابيش ثقافية»

عبدالله الناصر

كنت وصديق منذ أسابيع نسير في الطريق قريباً من روضة "الخاتلة"، وكان يوماً مطيراً والروضة قد تحولت إلى بحيرة، وكانت للصديق سيارة مترفة، وكان خائفاً عليها، يبحث عن الدروب والمسالك الشديدة، والطرق الصلبة، ولكن خوفه لم ينفعه فقد غرزت السيارة وركّت في الطين، وحينما حاولنا النزول والتفكير في طريقة إخراجها تزايد المطر.. فأخذ صاحبي يتأفف ثم راح ينشد البيت المشهور:

سلامُ الله يا مطرٌ عليها

وليَسَ عليك يامطرُ السّلامُ

ضحكت، وقلت والله إن ألمي لعدم معرفتك معنى البيت أشد من ألمي بغراز سيارتك.. فالتفت متعجبا وقال لي إذا ما المقصود؟ وبينما نحن كذلك إذ مر بنا شاب شهم، كله نخوه ورجولة فشدّ سيارة صاحبي بسلسلة وقام بإخراجها إلى مكان صلب، ففرشنا فرشتنا وأنزلنا متاعنا، وقد خف المطر.. وتذكر الصديق بعد أن ساح باله فقال: لقد نسينا البيت فهات حكايته..

قلت له: إن هذا البيت هو مما تعلمناه من شواهد اللغة والتي لم يعد لها شاهد أو مشهود في زمن العامية الكالح الأغبر، أما شاهده فهو تنوين المنادى في اسم "مطر" الأول.

ومطر هذا ليس المطر الذي همى علينا اليوم وسبب غرازاً لسيارتك المنعمة المترفة، وإنما هو اسم لرجل، ولهذا الرجل حكاية أوردها السيوطي، وصاحب الأغاني والمرزباني وغيرهم، وتقول الحكاية: إن الأحوص شاعر المدينة المشهور واسمه عبدالله بن محمد الأنصاري من الأوس بالمدينة -على ساكنها السلام- وسمي الأحوص لضيق عينيه وهو صاحب عاتكة التي قال فيها البيتين المشهورين:

يَا بَيْتَ عَاتِكَة َ الَّذِي أَتَعزَّل

حَذَرَ العِدَى، وَبِهِ الفُؤَاد مُوَكَّلُ

أَصْبَحْتُ أَمْنَحُكَ الصُّدُودَ وَإِنَّنِي

قَسَماً إِلَيْكَ، مَعَ الصُّدُودِ لأَمْيَلُ

ويقال إن عاتكة هذه هي ابنة عبدالله بن يزيد بن معاوية، وأن الخليفة الوليد بن عبدالملك غضب عليه فنفاه إلى "دهلك" وهي جزيرة قرب اليمن كانت منفى للمجرمين، وملكاً للعرب -وهي اليوم تابعة لأريتريا تحت هيمنة الخبيثة إسرائيل وعميلتها الأخبث إيران- ثم إن الخليفة يزيد بن عبدالملك أعاده من منفاه بعد أن شفعت له المغنية حبّابة.. ويزعمون أن يزيد كان مفتوناً بحبابة هذه وأنه مات حزناً عليها عندما شرقت بحبة رمان فماتت..!! وأنه منع جثتها من الدفن حتى تعفنت وظل يشمها ويقبلها حتى مات!! ولا أشك مطلقاً أن الحكاية من دسائس رواة السياسة ومكائدهم.

كما يزعمون أن ابن المقفّع وكان مجوسياً وأراد الدخول في الإسلام، وأنه حينما مرّ بنار في بيت مجوس يتعبدونها اشتاق إلى النار فأنشد: يَا بَيْتَ عَاتِكَةَ الَّذِي أَتَعزَّلُ... الخ.. فاعتبر ذلك تشكيكاً ومطعنا في إسلامه.. وأما حكاية هذا البيت فتقول: إن الأحوص تزوج فتاة ولكنه أحب أختها حباً خفياً، وكانت باهرة الجمال، وأن رجلاً يقال له مطر تزوجها وأخذها إلى ناحية البصرة، وذات يوم طلبت زوجة الأحوص زيارة أختها، فتحمس لذلك ورغب في هذه الزيارة، وشدوا الرحال إلى البصرة، وعندما وصلوا رحبت بهم الأخت وأكرمتهم وذبحت لهم، وكان زوجها مطر غائباً عند إبله وأغنامه، وحينما عاد لم يحسن استقبالهم وغضب على زوجته بسبب إكرامها لهم، وكان مطر هذا بخيلاً، قميئاً، قبيحاً فلم يسلم على صهره الأحوص، فبادره بهذه القصيدة التي يهجوه فيها ويطلب طلاق أخت زوجته منه.. ومنها:

سلامُ الله يا مطرٌ عَليهِا

وليَسَ عَليكَ يا مَطرُ السّلامُ

فَطلقّها فَلسَت لها بكفءٍ

وإلاّ شَقَ مِفَرقكَ الحُسَامُ

فقال صديقي إذاً القصة هكذا، ما أجملها من حكاية وسوف أسمي سيارتي هذه "عاتكة"، فقلت سمها ما شئت ولكن انتبه إلى أن رياض "العتك" أمامنا!!

قال: ولكن لماذا تسميه "العتك" قلت: هذا هو اسمه تماماً، ولكن -أغلب الظن- أن قبيلة تغلب "القحطانية"، وليست "المضرية" -وهذه هي ديارها- ربما كانت متأثرة بقبيلة قضاعة التي تقلب الكاف شيناً ولهذا يقولون: "كشكشة قضاعة".. فقال باستغراب: وقضاعة هذه تقلب الكاف شيناً فتقول: عتش، عتش، عتش؟ فقلت: نعم، ويرحمك الله.


خدمة القارئ الصوتي لأخبار جريدة الرياض مقدمة من شركة اسجاتك
إنتظر لحظات...

التعليقات:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

عدد التعليقات : 24

1

  ابراهيم نويري

  إبريل 21, 2017, 10:50 ص

جمعة مباركة ،، موضوع ممتع مترع بالثقافة و المعلومات ،،، أنا أعلم أن كثرة الاستطراد علامة على الامتلاء و التراكم الثقافي و قد أشار الجاحظ إلى ذلك فقد أود الاشارة إلى أن ابن المقفع تربوي كبير و أن مؤامرة حيكت ضده كي لا ننتفع به الدليل اقرأوا كتابه " الأدب الصغير و الأدب الكبير " و خبروني ،،،

2

  ابراهيم نويري

  إبريل 21, 2017, 10:56 ص

تابع لما سبق /// أنا أزعم أن ابن المقفع راح ضحية مؤامرة دنيئة و اغتيل و عمره 36 سنة فقط و كتاب الأدب الصغير و الأدب الكبير مترع بالحكمة و رسوخ الإيمان و معرفة الباري عز وجل كم أتمنى أن يرجع له قراء زاوية بالفصيح الأكارم و حياكم الله ،،،،

3

  حماد

  إبريل 21, 2017, 1:47 م

سبحان الله مقال كله ثقافة وتاريخ وجغرافيا ومعلومات وفيرة في زاوية دمت كاتبا مميزا

4

  حسن أسعد سلمان الفيفي

  إبريل 21, 2017, 1:48 م

قصة جميلة تبين مدى جهلنا بلغتنا

5

  التميمي

  إبريل 21, 2017, 1:56 م

مقاله مختلفه عما عودنا الكاتب عليه ولكنها منوعة وممتعة ولكن الذي لفت نظري قوله تغلب القحطانيه فهل هناك تغلب قحطانيه

6

  فهد

  إبريل 21, 2017, 2:16 م

كاتبنا المميز شكرا على هذه الحكاية الحلوة ياسلام على هذه الكتابات

7

  محمد السالم

  إبريل 21, 2017, 2:58 م

مرحبا بالاديب د ابراهيم نويري اشكر لك إطلالتك الجميلة ومعلوماتك ...ولكن دعني أقول لك أن ابن المقفع مكان شك ففي شبابه كان مجوسيا متعصبا لفارس أما كتابه فيحسب في الفن لافي العقيدة وشكرا لكاتبنا الذي يجمعنا على مائدته كل جمعة

8

  د حسن

  إبريل 21, 2017, 4:13 م

هذا موضوع شيق وحشد من المعلومات والمعارف عرضت بأسلوب قصصي بديع

9

  ابراهيم نويري

  إبريل 21, 2017, 5:13 م

الأخ المكرم الأستاذ محمد السالم حياك الله بلطفه ،، الحمد لله أن زاوية بالفصيح المباركة تجمعنا كل جمعة مباركة ، لأنها أثر أديب و مفكر مبارك ،،، أما ما تفضلت به ، فإن مجوسية ابن المقفع قبل إسلامه لا معنى لها ، لأن الإسلام يجبّ ما قبله كما هو معروف ، و عندما جاء الإسلام كان الناس على أديان أخرى ،،،

10

  ابراهيم نويري

  إبريل 21, 2017, 5:16 م

.. فلما تبين لهم الحق دخلوا في دين الله أفواجا ،، و ابن المقفع من هؤلاء و ما دعاني للشك في كون مؤامرة دُبرت بليل ضده ، نوع الفكر الذي تركه فهو ينم عن ذكاء و فطنة و إيمان و وفاء و صبر و حلم و لعل مراجعة سيرته يجلي بعض الجوانب المعتمة ،،، ثم لا ننسى فضله في تطور النثر الفني في لغتنا و أدبنا العربي

11

  احمد الحناكي

  إبريل 21, 2017, 6:46 م

دائما ممتع استاذتا الكبير الاديب ابوعبدالعزيز هكذا هم الكبار دائما

12

  د معجب العدواني

  إبريل 21, 2017, 7:20 م

اعتقد ان موضوع ابن المقفع كان له صله بنهاية الدولة الاموية وقيام الدولة العباسية والتي ارادت ان تنتقم من كل من له علاقه بالاموين ومثفيهم كعبد الحميد الكاتب الذي عقوب بالقتل والحق به ابن المقفع وانا اميل الى ما ذهب لاليه الدكتور نويريً د عدواني جامعة الملك سعود

13

  ابو راكان

  إبريل 21, 2017, 7:35 م

قصة مشوقة وتفيد القاريء باشياء كثيرة ولكن أشك في صحة قصة احتفاض يزيد بن عبدالملك بجثمان حبيبة ويشمشم فيها ويترك مهامة كخليفة للمسلمين... تسلم أناملك يا ابا عبدالعزير ..

14

  د احمد بن مسفر الغامدي

  إبريل 21, 2017, 7:37 م

لله درك من كاتب جال بِنَا في التاريخ ونثر لنا درر الأدب والحكمة هذا المقال فاره في لغته رائع في حبك شخوصه وأشخاصه شدني ورود اسم جزيرة دهلك وما ال اليه حالها ومآلها ختاما الأحوص هذا له من اسمه نصيب ولكن يحسب له أدبه وشجاعته الذي هدد بفلق راس البخيل زوج الحسناء

15

  د احمد الزهراني

  إبريل 21, 2017, 7:47 م

استاذنا الفاضل عشت وسلمت يمناك التي تتحفنا بكل جديد مقالك هذا الاسبوع ومانثرت فيه من ابداع وما يحتويه من موروث ادبي يعتبر من عيون الادب فنجد فيه قصص الوفاء للحبيب ونجد فيه الكرم ونبذ البخل ووصف الحال باسلوب اكثر من رائع تشكر عليه دمت سالما ودام نبظ قلمك

16

  البندري

  إبريل 21, 2017, 9:21 م

اتفق تماما مع التعليق 9 الاستاذ نويري لكن كأنك تجهل الاعراب حتى لو بشر ابن المقفع بالجنة يعتبروه مجوسي

17

  سعد العثمان

  إبريل 22, 2017, 12:47 ص

الحقيقة اني استغرب بعض الردود ،،والتي ركزت على بن المقفع بينما المقالة مليئة بالحكايات وبالشواهد ربما لان الدكتور نويري هو الذي اثار الموضوع،وقد تكون وجهة نظره صحيحة ولكن هذا ليس بالتأكيد فوالد ابن المقفع كان الحجاج قد ولاه الخراج فسرقه فضربه حتى تقفعت يداه فسمي بالمقفع وعو مجوسي حرامي يتبع

18

  ابراهيم نويري

  إبريل 22, 2017, 2:22 ص

شكرا جزيلا للأخوين الدكتور معجب العدواني والدكتور البندري ،،، فعلا هذا مل لمحت إليه ،، و يا سبحان الله ،، بدأت أقرأ قبل قليل كتاب " الحق المر " الجزء 3 للشيخ الغزالي رحمه الله فوجدت هذا الكلام [ كان لي أخ هو أعظم الناس في عيني ، وكان رأسُ ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه .. كان خارجا من سلطان بطنه

19

  ابراهيم نويري

  إبريل 22, 2017, 2:26 ص

فلا يشتهي ما لا يجد و لا يُكثر إذا وجد ...] يعلق الشيخ الغزالي فيقول : هذه قطعة من أدب النفس أذكرها لما فيها من صفاء و سمو ،،، أقرأت هذه الصفات و رأيت معالم الاكتمال البشري فيها ؟ ان كاتبها هو عبدالله بن المقفع و إنما نقلتها كي أميط اللثام عن بعض مآسي تاريخنا الأدبي ،، فإن ذلك الأديب المربّي ..

20

  ابراهيم نويري

  إبريل 22, 2017, 2:31 ص

المصوّر بقلمه آفاق الكمال البشري قُتل متهماً بأنه مجوسي ملحد ،،، و ما أشكّ أنه ضحية مؤامرات سياسية أو حزازات شخصية . فأنّى لوثني مخرِّف أن يرسم سمات العظمة الخلقية على النحو الذي رأيت ؟ ] الحق المر ج3 ص 227/ 228 ، دار نهضة مصر ، القاهرة . لقد أدركت كم نحن بحاجة إلى ضرورة مراجعة تاريخنا الثقافي وغيره

21

  خالد التغلبي

  إبريل 22, 2017, 4:20 ص

"الخاتلة"مطيراً"الدروب" "غرّزت"غراز"ركّت"الكالح "دهلك"حبّابة"شرقت" "قميئاً"..هناك (ملحوظة) حول نسب قبيلة "تغلب" أولاً..لايوجد تغلب "القحطانية" بل المعروف تغلب قضاعة. ثانيا..قبيلة تغلب الوائلية لا تنسب إلى مضر، بل إلى ربيعة، ومضر وربيعة ابناء نزار بن معد العدنانية، ومن أشهر قبائل مضر(قريش-تميم-هَوازن).وقال البصري النسابة:العرب ثلاثة (مفاهيم) : العدنانية والقحطانية وقضاعة. قيل له:فأيهما أكثر العدنانية أوالقحطانية؟ فقال:ما شاءت قضاعة، إن تيامنت فالقحطانية أكثر وإن تعدننت فالعدنانية أكثر^^لاعدمتك..؛

22

  ابراهيم نويري

  إبريل 22, 2017, 9:45 ص

الأخ الأستاذ سعد العثمان ، شكرا لتعليقك ، فقط أوضح بأن الأب لا علاقة له باتجاه الابن ، و قد نبهنا القرآن بأمثلة كثيرة [ إبراهيم الخليل ، و والده آزر ] و نظيرها في التوجه [ نوح و ابنه ] و وضح لنا القرآن بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى ؛ و أن ليس للإنسان إلا ما سعى ،، فابن المقفع آثاره تدل عليه هذا ما قلت

23

  ابراهيم نويري

  إبريل 22, 2017, 10:05 ص

و من جهة أخرى فإن ما أشار إليه الأخ سعد العثماني من كون النقاش انحرف نحو ابن المقفع ، فمعه حق ، أنا لفت نظري مسألة متعلقة بهذا الكاتب فعلقت بما علقت ، و لو أن كلّ قارئ علق على جزئية معينة بالمقال لأثرينا الموضوع و أسهمنا في تسليط أضواء على نقاط عديدة ، و بذلك تتم الفائدة لنا جميعا ،، و الله الموفق

24

  ابراهيم نويري

  إبريل 22, 2017, 10:11 ص

بهذه المناسبة أقترح انشاء جمعية ثقافية أو حتى هاشتاغ أو موقع شبكي على الشابكة يضم أحباب و مناصري زاوية بالفصيح ، و ذلك لمناقشة مقالات الأديب عبدالله الناصر حفظه الله ، و أن يكون في هذه الهيئة أدباء و كتاب من داخل المملكة و من خارجها ، و نأمل أن تكون المبادرة التشجيعية من صحيفة الرياض الغراء

أضف تعليقك

ننصحكم ( بتسجيل الدخول ) أو ( تسجيل عضوية جديدة ) للتمتع بمزايا إضافية

يرجى إدخال الاسم
يرجى إدخال الإيميل
35% Complete (success)
20% Complete (warning)
10% Complete (danger)

عدد الحروف المسموح بها 300 حرف


الحروف المتبقية : 300

انتظر لحظات....

* نص التعليق فارغ
* نص التعليق أكثر من 300 حرف